أخبار الأمم

منتدى أخبار الأمم
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:09 pm

الإمارة الأموية وقفة مع عبد الرحمن الداخل في قضاؤه على الثائرين

ذكرنا سابقا أنه في خلال الأربع والثلاثين سنة الممتدة من بداية حكم عبد الرحمن الداخل وحتى نهايته كان هناك أكثر من خمس وعشرين ثورة في كل أنحاء الأندلس، وذكرنا أيضا كيف روّض بعضها وقمع غيرها بنجاح الواحدة تلو الأخرى، والتي كان من أهمها ثورة العباسيين التي قام بها العلاء بن مغيث الحضرمي، وكيف تم القضاء عليها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يجوز لعبد الرحمن الداخل أن يقاتل الثائرين وإن كانوا من المسلمين؟!

وحقيقة الأمر أن موقفه هذا في قتال الثائرين داخل أرض الأندلس لا غبار عليه؛ لأن الجميع كانوا قد اتفقوا عليه أميرا للبلاد، وقد جاء في صحيح مسلم عن عرفجة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ (أي مجتمع) عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.

ومن هنا فقد كان موقف عبد الرحمن الداخل صارما مع الثوار؛ وذلك لقمع الانقلابات المتكررة والتي تُضعف من جانب الأمن والاستقرار في البلاد.

إلا إنه من الإنصاف أن نذكر أنه رحمه الله كان دائما ما يبدأ بالاستمالة والسلم وعرض المصالحة، ويكره الحرب إلا إذا كان مضطرا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:12 pm


عبد الرحمن الداخل وبناء دولته الجديدة
حين استتب الأمر لعبد الرحمن الداخل في أرض الأندلس، وبعد أن انتهى نسبيا من أمر الثورات بدأ يفكر فيما بعد ذلك، فكان أن اهتم بالأمور الداخلية للبلاد اهتماما كبيرا، فعمل على ما يلي

أولا بدأ بإنشاء جيش قوي

وفي بنائه لجيشه الجديد عمل على ما يلي

اعتمد في تكوينة جيشه على العناصر التالية

أ - اعتمد في الأساس على عنصر المولّدين، وهم الذين نشأوا - كما ذكرنا - نتيجة انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين من أهل الأندلس، وكانوا يمثلون غالبية بلاد الأندلس.

ب - اعتمد على كل الفصائل والقبائل الموجودة في بلاد الأندلس، فضم إليه كل الفصائل المضرية سواء أكانت من بني أمية أو من غير بني أمية، وضم إليه كل فصائل البربر، كما كان يضم إليه رءوس القوم ويتألفهم فيكونون عوامل مؤثرة في أقوامهم، بل إنه ضم إليه اليمنيين مع علمه بأن أبا الصباح اليحصبي كان قد أضمر له مكيدة، الأمر الذي جعله يصبر عليه حتى تمكن من الأمور تماما ثم تخلص منه - كما ذكرنا - بعد إحدى عشرة سنة كاملة من توليه الحكم في البلاد.

ج - كذلك اعتمد على عنصر الصقالبة، وهم أطفال نصارى كان قد اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أوروبا، ثم قام بتربيتهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية عسكرية صحيحة.

وبرغم قدوم عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وحيدا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارس غير الرجّالة، مشكّل من كل هذه العناصر السابقة، والتي ظلت عماد الجيش الإسلامي في الأندلس لدى أتباع وخلفاء وأمراء بني أمية من بعده.

أنشأ رحمه الله دورا للأسلحة، فأنشأ مصانعا للسيوف وأخرى للمنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طليطلة ومصانع برديل.

أنشأ أيضا أسطولا بحريا قويا، بالإضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء كان منها ميناء طرطوشة وألمرية وأشبيليّة وبرشلونة وغيرها من الموانئ.

كان رحمه الله يقسم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام قسم ينفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامة من مؤن ومعمار ومرتبات ومشاريع وغير ذلك، والقسم الثالث كان يدخره لنوائب الزمان غير المتوقعة.

ثانيا أولى العلم والجانب الديني اهتماما بالغا

أعطى عبد الرحمن الداخل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما، فعمل على الآتي

-
نشْر العلم وتوقير العلماء.

- اهتم بالقضاء وبالحسبة.

- اهتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

- كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قرطبة الكبير، والذي أنفق على بنائه ثمانين ألفا من الدنانير الذهبية، وقد تنافس الخلفاء من بعده على زيادة حجمه حتى تعاقب على اكتماله في شكله الأخير ثمان خلفاء من بني أميّة.

ثالثا العناية الكبيرة بالجانب الحضاري المادي

ويبرز ذلك في الجوانب التالية

-
اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها.

- إنشائه أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس.

- إنشائه الرصافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وقد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك رحمه الله وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، والتي إن كانت تنجح زراعتها فإنها ما تلبث أن تنتشر في كل بلاد الأندلس.

رابعا حماية حدود دولته من أطماع الأعداء

بالإضافة إلى إعداده جيشا قويا- كما وضحنا سابقا- وتأمينا لحدود دولته الجديدة قام عبد الرحمن الداخل بخوض مرحلتين مهمتين

المرحلة الأولى كان عبد الرحمن الداخل يعلم أن الخطر الحقيقي إنما يكمن في دولتي ليون في الشمال الغربي، وفرنسا في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، فقام بتنظيم الثغور في الشمال، ووضع جيوشا ثابتة على هذه الثغور المقابلة لهذه البلاد النصرانية، وأنشأ مجموعة من الثغور كما يلي

-
الثغر الأعلى، وهو ثغر سراقسطة في الشمال الشرقي في مواجهة لفرنسا.

- الثغر الأوسط، ويبدأ من مدينة سالم ويمتد حتى طليطلة.

- الثغر الأدنى، وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة ليون النصرانية.

المرحلة الثانية كان رحمه الله قد تعلم من آبائه وأجداده عادة عظيمة جدا، وهي عادة الجهاد المستمر وبصورة منتظمه كل عام، فقد اشتهرت الصوائف في عهده، حيث كان المسلمون يخرجون للجهاد في الصيف، وبصورة منتظمة وذلك حين يذوب الجليد، وكان يتناوب عليهم فيها كبار قواد الجيش، وأيضا كان يُخرج الجيوش الإسلامية إلى الشمال كل عام بهدف الإرباك الدائم للعدو، وهو ما يسمونه الآن في العلوم العسكريه بالهجوم الإجهاضي المسبق.

عبد الرحمن الداخل.. الأمير الفَذ

لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية، هكذا قال المؤرخون عن عبد الرحمن بن معاوية، وإنا لتعلونا الدهشة ويتملكنا العجب حين نعلم أن عمره حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين عاما، أي في سن خريج جامعة في العصر الحديث.

ملَك من السماء، أم ماذا هو؟! لن نذهب بعيدا، وسنترك الحديث عنه إلى ابن حيّان الأندلسي، ولنعي ما يقوله عنه، يقول ابن حيان مستعرضا بعضا من صفات عبد الرحمن الداخل

كان عبد الرحمن الداخل راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغا مفوّها، شاعرا محسنا، سمحا سخيا، طلق اللسان، وكان قد أعطي هيبة من وليّه وعدوّه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي بالناس الجمع والأعياد إذا كان حاضرا، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى. انتهى كلامه رحمه الله.

شخصية تُشخِص الأبصار وتبهر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه رحمه الله، ومع شدته وحزمه وجهاده وقوته كان رحمه الله شاعرا محسنا رقيقا مرهف المشاعر.

ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلا أنه كان يتبسط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويصلي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينه، فلم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم ودون حراس، حتى خاطبه المقربون في ذلك وأشاروا عليه ألا يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسطوا معه، ولكن كيف يمتنع عن شعبه وهو المحبوب بينهم والمقرّب إلى قلوبهم؟! ولقد صدق من قال حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

فكان له حقا أن يأتي إلى هذه البلاد وحيدا مطاردا مطلوب الرأس، تجري وراءه قوى الأرض جميعا، فعباسيون في المشرق، وخوارج في المغرب، ومن بعدهم نصارى في الشمال، وثورات في الداخل، ثم هو يقوم وسط هذه الأجواء بتأسيس هذا البنيان القوي، وهذه الدولة الإسلامية ذات المجد التليد.

ونستطيع أن نفهم شخصيته بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجة أمام أعين الحاضرين، فقضاها له ثم قال له إذا ألم بك خطب أو حَزَبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك؛ كي نستر عليك، وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا - عز وجهه - بإخلاص الدعاء وصدق النيّة.

إنها لتربية ربانية لشعبه، كل شعبه، فهو يريد رحمه الله أن يربط الناس بخالقهم، يريد أن يعلمهم أن يرفعوا حاجتهم إليه أولا سبحانه وتعالى، يريد أن يعلمهم أنه سبحانه وتعالى يملكه ويملكهم جميعا، ثم مراعاة لعواصف النفس الداخلية، وحفظا لماء وجه الرعية عند السؤال قال له فارفع إلينا حاجتك في رقعة كي نستر عليك ولا يشمت أحد فيك.

وها هو رحمه الله يدخل عليه أحد الجنود ذات يوم كان قد انتصر فيه على النصارى، فتحدث معه الجندي بأسلوب فيه رفع صوت وإساءة أدب، فما كان منه رحمه الله إلا أن أخذ يعلمه خطأه ويقول له يا هذا، إني أعلمك من جهل، إنه يشفع لك في هذا الموقف هذا النصر الذي نحن فيه؛ فعليك بالسكينة والوقار؛ فإني أخاف أن تسيء الأدب في يوم ليس فيه نصر فأغضب عليك. فإذا بالجندي وقد وعى أمره يرد عليه ردا لبيبا ويقول له أيها الأمير، عسى الله أن يجعل عند كل زلة لي نصر لك فتغفر لي زلاتي. وهنا علم عبد الرحمن الداخل أن هذا ليس اعتذار جاهل؛ فأزاح الضغينة من قلبه وقرّبه إليه ورفع من شأنه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:12 pm


الإمارة الأموية وفتراتها الثلاث
ظل عبد الرحمن الداخل يحكم الأندلس منذ سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة من الهجرة، أي قرابة أربعة وثلاثين عاما، وكانت هذه هي بداية تأسيس عهد الإمارة الأموية، والتي استمرت من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة وحتى سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة.

ولفهم عهد الإمارة الأموية يمكننا تقسيمه إلى فترات ثلاث كما يلي

الفترة الأولى واستمرت مائة عام كاملة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعتبر هذه الفترة هي فترة القوة والمجد والحضارة، وكان فيها هيمنة للدولة الإسلامية على ما حولها من مناطق.

الفترة الثانية وتعد فترة ضعف، وقد استمرت اثنين وستين عاما، من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة.

الفترة الثالثة وهي الأخيرة وهي ما بعد سنة ثلاثمائة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:13 pm


الفترة الأولى من الإمارة الأموية فترة القوة

تمثل هذه الفترة عهد القوة في فترة الإمارة الأموية، كانت البداية فيها -كما ذكرنا - لعبد الرحمن الداخل رحمه الله ثم خلفه من بعده ثلاثة من الأمراء، كان أولهم هشام بن عبد الرحمن الداخل، وقد حكم من سنة اثنين وسبعين ومائة وحتى سنة ثمانين ومائة من الهجرة.

عهد هشام بن عبد الرحمن الداخل

بعد فترة طويلة من الاختبارات والمشاورات كان عبد الرحمن الداخل قد استقر من بين ابنيه الأكبر سليمان والأصغر هشام على ابنه هشام، فولاّه العهد مع كونه أصغر من أخيه سليمان، وقد صدق حدسه فيه؛ حيث كان الناس يشبهونه بعد ذلك بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في علمه وعمله وورعه وتقواه.

كان هشام بن عبد الرحمن الداخل عالما محبا للعلم، قد أحاط نفسه رحمه الله بالفقهاء، وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس بنشره اللغة العربية فيها، وقد أخذ ذلك منه مجهودا وافرا وعظيما، حتى لقد أصبحت اللغة العربية تُدرّس في معاهد اليهود والنصارى في داخل أرض الأندلس، ثم قام أيضا بنشر المذهب المالكي بدلا من المذهب الأوزاعي، هذا فضلا عن صولاته وجولاته الكثيرة في الشمال مع الممالك النصرانية.

عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل

تولى بعد هشام بن عبد الرحمن الداخل ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وذلك من سنة ثمانين ومائة وحتى سنة ست ومائتين من الهجرة، لكن الحكم هذا لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جده، فكان قاسيا جدا، فرض الكثير من الضرائب، واهتم بالشعر والصيد، وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية، حيث كان يحرق بيوت الثائرين، وكان يطردهم خارج البلاد.

ومن أشهر الثورات التي قمعها الحكم بن هشام ثورة الربض، وهم قوم كانوا يعيشون في منطقة جوار قرطبة، وقد ثار أهلها ثورة كبيرة جدا عليه، فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد، ورغم ما في هذا الأمر من القسوة وغيرها فإنه حين طرد الربضيين خارج البلاد فقد انتقلوا إلى جزيرة كريت في عرض البحر الأبيض المتوسط، وأسسوا بها مملكة إسلامية ظلت قائمة مائة عام متصلة.

ورغم أفعاله تلك إلا أن الحكم بن هشام لم يوقف حركة الجهاد؛ وذلك لأن الجهاد كان عادة في الإمارة الأموية سواء في بلاد الشام أو في بلاد الأندلس، لكن كانت له انتصارات وهزائم في نفس الوقت، وكنتيجه طبيعية لهذا الظلم الذي كان عنده، وهذه العلاقة التي ساءت بين الحاكم والمحكوم سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى، فسقطت برشلونة وأصبحت تُكّون إمارة نصرانية صغيرة في الشمال الشرقي عرفت في التارخ باسم إمارة أراجون، وكانت متاخمة لحدود فرنسا بجوار جبال البيرينيه في الشمال الشرقي للبلاد.

لكن الحكم بن هشام بفضل من الله ومنٍ عليه أنه تاب عن أفعاله في آخر عهده، ورجع عن ظلمه، واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه، ثم اختار من أبنائه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون وليا لعهده، وكان من حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهذه التوبة وهو في كامل قوته وبأسه، وذلك قبل موته بعامين.

عهد عبد الرحمن الأوسط
بعد الحكم بن هشام تولى ابنه عبد الرحمن الثاني، وهو المعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط فهو الأوسط بين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر كما سيأتي، وقد حكم من سنة ست ومائتين وحتى آخر الفترة الأولى عهد القوة من عهد الإمارة الأموية، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعد فترة حكمه هذه من أفضل فترات تاريخ الأندلس، فاستأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال وألحق بهم هزائم عدة، وكان حسن السيرة، هادئ الطباع، محبا للعلم محبا للناس.

ومن أهم ما ميز عهد عبد الرحمن الأوسط الأمور الثلاثة التالية

أولا ازدهار الحضارة العلمية

كان عبد الرحمن الأوسط لتقديره العلم يستقدم العلماء من بغداد ومن كل بلاد العالم الإسلامي، فجاءوا إلى بلاد الأندلس وعظمهم وأكرمهم ورفع من شأنهم، وأسس نواة مكتبة قرطبة العظيمة، وأشاع التعليم في كل بلاد الأندلس.

وقد اشتهر العلماء في هذه الفترة في كل مجالات العلوم، وكان من أشهرهم في ذلك الوقت عباس بن فرناس رحمه الله، وهو أول من قام بمحاولة طيران في العالم، وقد راح ضحية هذه المحاولة البكر، وفضلا عن هذا فقد كانت له اختراعات كثيرة في شتى المجالات، فاخترع آله لتحديد الوقت، واخترع آله تشبه قلم الحبر، وقد كان لهذا الاختراع أهمية كبيرة في ذلك الزمن الذي انتشر فيه العلم والتعليم، ويعد أيضا أول من اخترع الزجاج من الحجارة.

ثانيا ازدهار الحضارة المادية

اهتم عبد الرحمن الأوسط بالحضارة المادية العمرانية والاقتصادية وغيرها اهتماما كبيرا، فازدهرت حركة التجارة في عهده، ومن ثم كثرت الأموال؛ الأمر الذي أجمع فيه المؤرخون أنه لم يكن هناك في الأندلس ما نسميه بـ "عادة التسول"، كانت هذه العادة منتشرة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى لكنها لم تُعرف أصلا في بلاد الأندلس.

كذلك تقدمت وسائل الري في عهده بشكل رائع، وتم رصف الشوارع وإنارتها ليلا في هذا العمق القديم جدا في التاريخ، الوقت الذي كانت أوروبا تعيش فيه في جهل وظلام دامس، كما أقام القصور المختلفة والحدائق الغنّاء، وتوسع جدا في ناحية المعمار حتى كانت المباني الأندلسية آية في المعمار في عهده رحمه الله.

ثالثا وقف غزوات النورمان

النورمان هم أهل إسكندنافيا، وهي بلاد تضم الدانمارك والنرويج وفنلندا والسويد، وقد كانت هذه البلاد تعيش في همجية مطلقة، فكانوا يعيشون على ما يسمى بحرب العصابات، فقاموا بغزوات عرفت باسم غزوات الفايكنج، وهي غزوات إغارة على أماكن متفرقة من بلاد العالم، ليس من هم لها إلا جمع المال وهدْم الديار.

في عهد عبد الرحمن الأوسط وفي سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة هجمت هذه القبائل على أشبيلية من طريق البحر في أربع وخمسين سفينة، دخلوا فأفسدوا فسادا كبيرا، فدمروا أشبيلية تماما، ونهبوا ثرواتها، وهتكوا أعراض نسائها، ثم تركوها إلى شذونة وألمرية ومرسيه وغيرها من البلاد فأشاعوا الرعب وعم الفزع، وهذه هي طبيعة الحروب المادية بصفة عامة، وشتّان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم.

ما كان من عبد الرحمن الأوسط رحمه الله إلا أن جهز جيشه وأعد عدته، ولأكثر من مائة يوم كاملة دارت بينه وبينهم معارك ضارية، أغرقت خلالها خمس وثلاثين سفينة للفايكنج، ومنّ الله على المسلمين بالنصر، وعاد النورمان إلى بلادهم خاسئين.

لم يجنح عبد الرحمن الأوسط رحمه الله بعدها إلى الدعة أو الخمول، وإنما عمل على تفادي تلك الأخطاء التي كانت سببا في دخول الفايكنج إلى بلاده فقام بما يلي

أولا رأى أن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير الذي يصب في المحيط الأطلنطي، ومن السهولة جدا أن تدخل سفن الفايكنج أو غيرها من المحيط الأطلنطي إلى أشبيلية، فقام بإنشاء سور ضخم حول أشبيلية، وحصّنها تحصينا ظلت بعده من أحصن حصون الأندلس بصفة عامة.

ثانيا لم يكتف بذلك بل قام أيضا بإنشاء أسطولين قويين جدا، أحدهما في الأطلسي والآخر في البحر الأبيض المتوسط، وذلك حتى يدافع عن كل سواحل الأندلس، فكانت هذه الأساطيل تجوب البحار وتصل إلى أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون، وتصل في البحر الأبيض المتوسط حتى إيطاليا.

وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية، كنا قد ذكرنا أن الذي فتحها للمرة الأولى كان موسى بن نصير رحمه الله وذلك قبل فتح الأندلس سنة إحدى وتسعين من الهجرة، ثم سقطت في أيدي النصارى في عهد الولاة الثاني حين انحدر حال المسلمين آنذاك، وهنا وفي سنة أربع وثلاثين ومائتين من الهجرة تم فتحها ثانية.

كذلك كان من نتيجة هزيمة الفايكنج في هذه الموقعة قدوم سفارة من الدانمارك محملة بالهدايا تطلب ود المسلمين، وتطلب المعاهدة معهم، وهكذا فالبعض من البشر لا تردعه إلا القوة ولا تصده إلا لغة الأقوياء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:15 pm


الفترة الثانية من الإمارة الأموية فترة الضعف
بوفاة عبد الرحمن الأوسط رحمه الله يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو فترة الضعف في الإمارة الأموية، ويبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة، أي حوالي اثنتين وستين سنة.

تولى بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده المنذر ثم عبد الله، وحقيقة الأمر أن الإنسان ليتعجب كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والسيطرة على بلاد الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟!

فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن الأمم لا تسقط فجأة، بل إن الأمر يكون متدرجا وعلى فترات طويلة، فهذا عهد الولاة الثاني - كما ذكرنا - كان السبب في ضعفه

أولا انفتاح الدنيا وحب الغنائم.

ثانيا القبلية والقومية.

ثالثا ظلم الولاة.

رابعا ترك الجهاد.

وكل هذه الأسباب لم تنشأ فجأة، وإنما كانت بذورها قد نشأت منذ أواخر عهد القوة من عهد الولاة أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء.

إذن لكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن نرجع قليلا، وندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدّت إلى هلكة أو ضعف الإمارة الأموية في هذا العهد الثاني.

عوامل وأسباب ضعف الإمارة الأموية

كان من أهم أسباب ضعف الإمارة الأموية ما يلي

أولا كثرة الأموال وانفتاح الدنيا على المسلمين من جديد

من جديد كانت الدنيا قد انفتحت على المسلمين، وكثرت الأموال في أيديهم، وقد زاد هذا بشدة في أواخر عهد القوة من الإمارة الأموية، فكانت قد ازدهرت التجارة كثيرا، ولم يوجد هناك في البلاد فقير، وفتن الناس بالمال، وتكرر ثانية هنا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم إِنَّ لِكُلِّ أُمّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. ومرارا وتكرارا حذر صلى الله عليه وسلم من الدنيا وقلل من قيمتها، فكان يقول مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ.

ثانيا زرياب

اسم ليس بغريب لكنه كان كدابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان عليه السلام فسقط جسده على الأرض، زرياب هذا كان من مطربي بغداد، تربى هناك في بيوت الخلفاء والأمراء حيث كان يغني لهم ويطربهم، وكان معلمه هو إبراهيم الموصلي كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت.

مع كر الأيام ومر السنين لمع نجم زرياب في بغداد فغار منه إبراهيم الموصلي، فدبر له مكيدة فطُرد من البلاد، كانت مشارق الأرض الإسلامية ومغاربها متسعة جدا في ذلك الوقت، وبعد حيرة وجد زرياب ضالته في الأندلس؛ حيث الأموال الكثيرة والحدائق والقصور، وهي صفات كثيرا ما يعشقها أمثال هؤلاء، وبالمقابل فمثلها أيضا تكون أرضا خصبة لاستقبال وإيواء أمثالهم.

الأندلس إلى هذه الفترة لم تكن تعرف الغناء، إلا أن زرياب ذهب إلى هناك فاستقبلوه وعظموه وأحسنوا وفادته، حتى دخل على الخلفاء، ودخل بيوت العامه ونواديهم، فأخذ يغني للناس وأخذ يعلمهم ما قد تعلمه في بغداد، ولم يكتف زرياب بتعليمهم الغناء وتكوين ما يسمى بـ الموشحات الأندلسية، لكنه بدأ يعلمهم فنون الموضة وملابس الشتاء والصيف والربيع والخريف، وأن هناك ملابس خاصة بكل مناسبة من المناسبات العامة والخاصة.

الناس في الأندلس لم يكونوا على هذه الشاكلة إلا أنهم أخذوا يسمعون من زرياب ويتعلمون، خاصة وأنه قد بدأ يعلمهم أيضا فنون الطعام كما ملابس الموضة تماما، وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء والأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلّق الناس به بشدّة، وتعلّق الناس بالغناء وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا.

الغريب أن دخول زرياب إلى أرض الأندلس كان في عهد عبد الرحمن الأوسط رحمه الله ذلك الرجل الذي اهتم بالعلم والحضارة والعمران والاقتصاد وما إلى ذلك، لكنه - وللأسف - ترك زرياب يفعل كل هذه الأمور وينخر في جسد الأمة من دون أن يدري أحد.

ففي الوقت الدي انتعشت فيه النهضة العلمية وكثر العلماء، إلا أن كلام زرياب المنمق وإيقاعه الرنان صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماعه هو، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن سماع قصص السلف الصالح إلى سماع حكاياته العجيبة وأساطيره الغريبة، بل والله لقد صُرف الناس عن سماع القرآن الكريم إلى سماع أغاني زرياب.

وهذا ليس بعجيب أو جديد؛ ففي بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وحين رآه النضر بن الحارث وكان من رءوس الكفر يخاطب الناس بالقرآن فيتأثرون ويؤمنون بهذا الدين، ما كان منه إلا أن قطع أميالا طويلة وذهب إلى بلاد فارس، وقضى هناك فترات كثيرة يتعلم حكايات رستم واسفنديار، ويتعلم الأساطير الفارسية، ثم اشترى غانيتين وعاد إلى مكة، وفي مكة كان النضر بن الحارث يقوم بحرب مضادة للدعوة الإسلامية، فكان إذا وجد في قلب رجل ميلا إلى الإسلام أرسل له الغانيتين تغنيانه ما كان في بلاد فارس من حكايات رستم واسفنديار حتى يلهياه عن هذا الدين، وظل على هذا النحو حتى لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] {لقمان6} . وقد أقسم عبد الله بن مسعود رحمه الله أنها ما نزلت إلا في الغناء.

وهكذا؛ فلا يهدأ الشيطان ولا ينام حتى في وجود هذه النهضة العلمية، [ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف17} . فكلما زاد الاهتمام بالدين وارتقى مستوى الإيمان عند الناس وتعلقت قلوبهم بالمساجد، كلما نشط الشيطان وزادت حركته عبر طريق زرياب ومن سار على نهجه.

وللأسف فإنه بالرغم من مرور أكثر من ألف ومائتى عام على وفاة زرياب هذا، إلا أن له شهرة واسعة في كل بلاد المغرب العربي، فلم يسمع الكثير من الناس عن السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم رحمهم الله ولم يسمعوا عن عقبة بن الحجاج أو سيرة عبد الرحمن الداخل أو عبد الرحمن الأوسط، ولم يسمعوا عن كثير من قواد المسلمين في فارس والروم وفي بلاد أفريقيا والأندلس لكنهم سمعوا عن زرياب، ويعرفون سيرته وتفاصيل حياته، بل إن موشحاته الأندلسية ما زالت إلى يومنا هذا تغنى في تونس والمغرب والجزائر، ومازالت تُدرّس سيرته الذاتيه هناك على أنه رجلا من قواد التنوير والنهضة، يمجَّد في حربه ضد الجمود وكفاحه من أجل الفن، ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببا رئيسيا في سقوط بلاد الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثا عمر بن حفصون

عمر بن حفصون هذا هو جون جارنج السوداني باصطلاح العصر الحديث، وهو مسلم من المولدين، أي من أهل الأندلس الأصليين، كان عمر بن حفصون قاطعا للطريق وكان يتزعم عصابة من أربعين رجلا، حين بدأ الناس يركنون إلى الدنيا ويتركون الجهاد في سبيل الله زاد حجمه، واشتد خطره، وبدأ يثور في منطقة الجنوب حتى أرهب الناس في هذه المنطقة، وأخذ يجمع حوله الأنصار إلى أن زاد حجمه كثيرا، فسيطر على كل الجنوب الأندلسي.

في سنة ست وثمانين ومائتين من الهجرة قام عمر بن حفصون بعمل لم يتكرر كثيرا في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ الأندلس بصفة خاصة، فلكي يعضد من قوته في آخر عهده، وبعد اثنين وعشرين عاما من ثورته انقلب على عقبيه وتحول من الإسلام إلى النصرانية، وسمّى نفسه صمويل، وذلك بهدف كسب وتأييد مملكة ليون النصرانية في الشمال، وهو وإن كان قد تركه بعض المسلمين الذين كانوا معه إلا إنه نال بالفعل تأييد مملكة ليون، الوقت الذي تزامن مع توقف الجهاد في ممالك النصارى.

بدأت مملكة ليون تتجرأ على حدود الدولة الإسلامية، فبدأت تهاجمها من الشمال وعمر بن حفصون أو صمويل من جهة الجنوب، تماما كما كانت تفعل أمريكا واليهود مع جون جرنج المتمرد في جنوب السودان، والهدف لا يخفى على الجميع، فحين يمدونه بالسلاح والخطط والخرائط، والأغذية والأموال والمؤن وغيرها، فستضعف السودان وتضرب من الداخل، وتشغل بنفسها، ومن ثم يتوقف المد الإسلامي من السودان إلى بلاد وسط وجنوب إفريقيا.

وهذا بالضبط ما حدث في الأندلس مع عمر بن حفصون، وحدث قبل ذلك بكثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين راسلت قريش عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة المنورة، وشجعته كثيرا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرده من بلاده.

نظرة تحليلية على الوضع أواخر عهد الضعف

بعد اثنين وستين عاما من الضعف الشديد وتفاعل عوامل السقوط مع بعضها البعض، إليك نظرة عامة على طبيعة الوضع في بلاد الأندلس أواخر عهد الضعف في الإمارة الأموية، أي سنة ثلاثمائة من الهجرة، وإيضاح أهم الملامح التي سادت هذا العصر التي كانت من فعل ونتاج عوامل الضعف، فكان ما يلي

أولا تصاعد وكثرة الثورات داخل الأندلس

كان هناك ثوارت لا حصر لها داخل الأندلس، بل واستقلالات في كثير من المناطق، والتي كان من أشهرها استقلال صمويل أو عمر بن حفصون، حيث استقل بالجنوب وكوّن ما يشبه الدويلة، فضم إليه الكثير من الحصون، حتى ضم كل حصون أستجّة وجيّان، والتي كانت عند فتح الأندلس من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق، وكذلك كانت غرناطة إحدى المدن التي في حوزته، والتي اتخذ لها عاصمة سمّاها بابشتر وتقع في الجنوب بجوار ألمريّة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

كان من هذه الثورات الكبيرة أيضا ثورة ابن حجاج في أشبيليّة، وكانت هذه الثورة تمد وتساعد عمر بن حفصون أو صمويل في ثورته ضد قرطبة.

ومثلها كانت ثورة ثالثة في شرق الأندلس في منطقة بلنسية، ورابعة في منطقة سرقسطة في الشمال الشرقي، حيث استقلت إمارة سرقسطة أيضا عن الإمارة الأموية في قرطبة، وخامسة في غرب الأندلس يقودها عبد الرحمن الجليقي، وسادسة في طليطلة، وهكذا ثورات وثورات أدت في نهاية الأمر إلى أن الحكومه المركزية للإمارة الأموية في قرطبة لم تعد تسيطر في كل بلاد الأندلس إلا على مدينة قرطبة وحدها، إضافة إلى بعض القرى التي حولها.

ومن ثم فقد انفرط العقد تماما في سنة ثلاثمائة من الهجرة، وتوزعت الأندلس بين كثير من القواد، كُلّ يحارب الآخر وكُلّ يبغي ملكا ومالا.

ثانيا تكوّن مملكة نصرانية ثالثة

ذكرنا سابقا أنه كان هناك مملكتان نصرانيتان، هما مملكة ليون في الشمال الغربي ومملكة أراجون في الشمال الشرقي وعاصمتها برشلونة، واللتان تكونتا زمن ضعف المسلمين في عهد الولاة الثاني، وهنا وفي الفترة الثانية من فترتي الإمارة الأموية تكونت في الشمال أيضا مملكة نصرانية ثالثة كانت قد انفصلت عن مملكة ليون، وهي مملكة أو إمارة نافار وتكتب في بعض الكتب العربية "ناباره"، وتعرف الآن في أسبانيا بإقليم الباسك، ذلك الإقليم الذي يحاول الانشقاق عن أسبانيا .



هذه الممالك النصرانيّة الثلاث بعد أن كانت تخاف المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول تجرأت كثيرا على البلاد الإسلامية، فهاجمت شمال الأندلس وبدأت تقتل المسلمين المدنيين في مدن الأندلس الشمالية.

ثالثا قتل ولي العهد

أمر خطير آخر قد ظهر، وهو يعبر عن مدى المأساة والفتنة في ذلك الوقت، وهو أن ولي العهد للأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت قتله أخوه المطرف بن عبد الله، وكان ولي العهد هذا يسمى محمد بن عبد الله، فأصبح الوضع من الخطورة بمكان.

وهكذا يكون الحال حين يختلف المسلمون ويفترقوا، وحين ينشغلوا بدنياهم وبزريابهم وبأنفسهم، حكومات نصرانية في الشمال تهاجم المسلمين، ثورات واستقلالات في الداخل، قتل لولي العهد القادم، بلاد إسلامية واسعة بدون ولي عهد في هذه المرحلة الحرجة

رابعا ظهور نجم دولة شيعية في بلاد المغرب كانت من أخطر الدول على بلاد الأندلس

زاد الأمور سوءا في بلاد الأندلس ظهور دولة جديدة في بلاد المغرب كانت من أشد الدول خطورة على بلاد الأندلس، وهي الدولة المسمّاة بالفاطميّة، واسمها الصحيح الدولة العبيدية.

ظهرت الدولة العبيدية في بلاد المغرب العربي سنة ست وتسعين ومائتين من الهجرة، أي قبل سنة ثلاثمائة نهاية الفترة الثانية من الإمارة الأموية بأربع سنوات فقط، وكانت دولة شيعية خبيثة همها الأول قتل علماء السنّة في بلاد المغرب العربي، ومحاولة نشر نفوذها في هذه المنطقة، فانتشرت بصورة سريعة من بلاد المغرب إلى الجزائر إلى تونس، ثم إلى مصر والشام والحجاز وغيرها.

ويكمن خطرها على بلاد الأندلس في أنها ساعدت عمر بن حفصون وأمدته بالسلاح والمؤن والغذاء عن طريق مضيق جبل طارق من الجنوب؛ وذلك لأن عمر بن حفصون أو صمويل كان يعادي ويحارب الخلافة الأموية السنية الموجودة في قرطبة.

خامسا تفشي السلبية وتوقف التفكير في الجهاد

كان حال الشعب في هذه الفترة قد تغير بالمرة؛ فلم يعد يفكر في الجهاد، وانتشرت الروح السلبيّة بين الناس، واعتقدوا أنّه لا فائدة وليس هناك طائل من محاولة التغيير، ورأوا أن الأمر قد ضاع، وفُقد من أيديهم بالكلية ولا أمل في الإصلاح.

سادسا تردي الأوضاع في بقية أقطار العالم الإسلامي

إذا تخطينا بلاد الأندلس وألقينا نظرة على مجمل أقطار العالم الإسلامي في الشرق والغرب وجدنا ما يلي

مصر والشام يحكمها الإخشيديون، الموصل يحكمها ابن حمدان، البحرين واليمامة يحكمها القرامطة، أصبهان يحكمها بنو بويه، خراسان يحكمها نصر الساماني، طبرستان يحكمها الديلم، الأهواز يحكمها البُريديون، كرمان يحكمها محمد بن إلياس، الدولة العباسية أو الخلافة العباسية لا تحكم إلا بغداد فقط، ولا تبسط سيطرتها حتى على أطراف العراق.

هكذا كان الوضع في أقطار العالم الإسلامي، لم يكن هناك أي أمل في أي مدد منه إلى بلاد الأندلس؛ حيث كانت كلها مشتته ومفرقة، ولا حول و لاقوة إلاّ بالله.

وإن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها، ولن تُنقذ إلا بمعجزة جديدة مثل معجزة عبد الرحمن الداخل رحمه الله.

وبالفعل فإن الله سبحانه وتعالى بمنه وجوده أنعم على المسلمين بتلك المعجزة للمرة الثانية، فمنّ عليهم بأمير جديد، وحّد الصفوف وقوّى الأركان، وأعلى من شأن بلاد الأندلس حتى أصبحت في عهده أقوى ممالك العالم على الإطلاق، وأصبح هو أعظم ملوك أوروبا في زمانه بلا منازع، إنه عبد الرحمن الناصر رحمه الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:17 pm

الخلافة الأموية عبد الرحمن الناصر وتولي الحكم
رأينا سابقا كيف كان الوضع أواخر عهد الضعف من الإمارة الأموية، وما هي السمات والملامح التي سادت ذلك العهد، ورأينا كيف أن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الاسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها.

وفي ظل هذا الجو المليء بالفتن، وهذه التركة المثقلة بالهموم، نفاجأ بأمر جلل، لكنه كان متوقعا، فقد زهد جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحون للخلافة في الحكم، وذلك لِما رأوا من عبء هذه التركة المثقلة بالهموم، ولعدم توقع أحد منهم قدرته على التمكن من الإصلاح.

ويشاء القدر أن يقدموا لهذا الأمر الحفيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان يبلغ من العمر آنذاك اثنين وعشرين عاما، وهو حفيد عبد الله بن محمد وابن القتيل محمد بن عبد الله الذي قتل قبل ذلك باثنين وعشرين عاما، وهو الذي عرف في التاريخ باسم عبد الرحمن الناصر.

يتولى عبد الرحمن الناصر الحكم ويقوم بأمر الإمارة، فإذا به - وسبحان الله - يحيل الضعف إلى قوة، ويقلب الذل إلى عزة، ويعيد الفُرقة إلى وحدة، ويبدد الظلام بنور ساطع يشرق في كل سماء الأندلس تحت مجد وسيادة وسلطان.

وقفة مع عبد الرحمن الناصر وبداية حياته نحو الإصلاح

إن دراسة كافة جوانب حياة عبد الرحمن الناصر لتحتاج إلى دراسة جادة متأنية، وعناية خاصة تفوق هذه الأسطر، إلا أن هناك بعض الإشارات العامة راعينا أن نقف أمامها بعض الشيء، فهو رحمه الله كان حين تولى الحكم يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة هجرية، أي إحدى وعشرين سنة ميلادية، وبلغة أخرى فهو طالب بالفرقة الثالثة أو الرابعة بالجامعة، هذه واحدة.

أما الثانية فإنه يخطئ من يظن أن تاريخ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يبدأ منذ هذا السن أو منذ ولايته هذه على البلاد، فقد رُبّي عبد الرحمن الناصر منذ نعومة أظافره تربية قلما تتكرر في التاريخ.

لم يكد يرى عبد الرحمن الناصر نور الدنيا حتى قتل أبوه وهو بعد لم يبلغ من العمر إلا ثلاثة أسابيع فقط، ومن ثم قام على تربيته جده الأمير عبد الله بن محمد، فرباه رحمه الله ليقوم بما لم يستطع هو القيام به، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحب الجهاد وحسن الإدارة، رباه على التقوى والورع، رباه على الصبر والحلم، على العزة والكرامة، رباه على العدل مع القريب والبعيد، رباه على الانتصار للمظلوم، رباه ليكون عبد الرحمن الناصر.

وهي رسالة إلى كل آباء المسلمين وأولي الأمر منهم إن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر فليكن أبناؤنا عبد الرحمن الناصر، وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه فما بال تربية أبنائنا اليوم؟! هل نأمرهم بالصلاة عند سبع ونضربهم عليها عند عشر؟! هل نُحفّظ أبناءنا القرآن، أم هم يتعلمون فقط اللغات ويحفظون الأغاني وينشغلون بالكرتون؟! وتُرى ما هي قدوة أولادنا وبمن يتمثلون ويريدون أن يكونوا مثلهم؟! أعباء ضخمة ولكن كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

والثالثة أن عبد الرحمن الناصر رحمه الله حين تولى الحكم كان على ثقة شديدة بالله سبحانه وتعالى وفي ذات الوقت ثقة شديدة بنفسه وأنه قادر على أن يغير، فهو يعي قوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] {آل عمران160} . فلم يدخل قلبه يوما شك أو يأس أو إحباط من صعوبة التغيير أو استحالته، أو أنه لا أمل في الإصلاح كما ظن ويظن غيره، فقام وهو ابن اثنين وعشرين عاما وحمل على عاتقه مهمة ناءت بها السموات والأرض والجبال، مهمة هي من أثقل المهام في تاريخ الإسلام.

عبد الرحمن الناصر وتغيير التاريخ

بعد تولي عبد الرحمن الناصر الحكم وبهذه المؤهلات السابقة، بهذه التربية الشاملة لكل فروع ومقومات الشخصية الإسلامية السوية، وبهذه الثقة الشديدة بالله وبنفسه، أقدم على تغيير التاريخ، فقام بما يلي

أولا إعادة توزيع المهام والمناصب، أو ما يمكن تسميته "تنظيف قرطبة"

حين تولى الحكم لم يكن يملك عبد الرحمن الناصر من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، ورغم أنها تعد أكبر بلاد الأندلس وتمثل مركز ثقل كبير لكونها العاصمة، إلا أنها لم تكن لتمثل أكثر من عشر مساحة الأندلس، بدأ عبد الرحمن الناصر من هذه المساحة الصغيرة يغير من التاريخ.

قام بتطهير المراكز المرموقة في قرطبة، من وزراء وقواد للجيش وغيرهم من رموز الفساد التي استولت عليها، واستبدالهم بمن ينتقيهم هو ممن يتصفون بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، وهكذا في كل المراكز القيادية في قرطبة.

ثم أعلى من شأن العلماء جدا، ورفع منزلتهم فوق منزلته نفسه، ورضخ لأوامرهم ونواهيهم، فطبق ذلك على نفسه أولا قبل أن يطبقه على شعبه، ثم طبق الشرع الإسلامي بكامله، ولم يتنازل ولو عن نقطة واحدة من أحكام الشرع الكريم، سواء أكان ذلك في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قدوة في كل أفعاله وأعماله تلك.

ورد أنه رحمه الله كان يحضر خطبة الجمعة، وكان يخطبها المنذر بن سعيد من أكبر علماء قرطبة وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على عبد الرحمن الناصر رحمه الله الخليفة والأمير، وكان عبد الرحمن الناصر قد بنى لنفسه قصرا كبيرا، فأسرف المنذر في الكلام وأسرع في التقريع لعبد الرحمن الناصر لبنائه ذلك القصر.

وحين عاد عبد الرحمن الناصر إلى بيته قال والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي؛ فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني. وهنا أشار عليه رجل ممن كانوا حوله بعزله عن خطبة الجمعة، فرد عليه عبد الرحمن الناصر قائلا أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل؟! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير قصد؟! هذا والله لا يكون، وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه سبحانه وتعالى في صلاة الجمعة شفيع مثل منذر في ورعه وصدقه، وما عزله حتى مات.

وعلى مثل هذه المبادئ وهذه المعاني بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يربي أهل قرطبة، وكان في انصياعه هو أفضل قدوة للناس جميعا.

ثانيا الاتجاه إلى الثورات ومحاولة ترويضها

بعد الانتهاء من الشأن الداخلي في قرطبة وتهيئته تماما بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يتجه إلى المحيط الخارجي، حيث الثورات المتعددة في كل أرض الأندلس، هداه تفكيره إلى أن يبدأ بعمر أو صمويل بن حفصون؛ وذلك لسببين

الأول أن هذا الرجل لا يختلف اثنان على أنه يستحق القتل؛ وذلك لأنه ارتد عن دين الله سبحانه وتعالى ومن ثم فقد أصبح قتاله فرضا على المسلمين. والسبب الثاني أنه يستطيع بذلك أن يحفز أهل قرطبة الذين كانوا قد ألفوا الثورات في هذه الآونة؛ حيث المعركة في منتهى الوضوح هي بين المسلمين والمرتدين.

في الطريق للقضاء على ثورة صمويل بن حفصون

بعد نحو شهرين فقط من توليه الحكم قاد عبد الرحمن الناصر أول حملة له لقتال المرتدين استرد فيها مدينة أَسْتُجّه، وكانت من أحصن مدن الأندلس- كما علمنا عند بداية الفتوحات- ثم بعد ذلك بنحو شهرين أو ثلاثة أشهر قاد بنفسه حملة كبيرة على صمويل بن حفصون استمر مداها طيلة ثلاثة أشهر كاملة، هي شعبان ورمضان وشوال من سنة ثلاثمائة من الهجرة من نفس العام الذي تولى فيه رحمه الله فاسترد جَيّان، وهي أيضا من المدن الحصينة جدا في الأندلس، ويكفي لمعرفة هذا أنه استرد فيها سبعين حصنا من حصون صمويل بن حفصون.

ما زالت قوة صمويل بن حفصون كبيرة جدا؛ فالمدد يأتيه من الشمال من دول النصارى، ويأتيه أيضا من الجنوب من الدولة الفاطمية، هذا فضلا عن إمدادات مدينة أشبيلية والتي كان عليها حاكم مسلم من أولاد ابن حجاج، لكنه كان متمردا على سلطة قرطبة، وكان يملك جيشا مسلما كبيرا.

فكر عبد الرحمن الناصر كثيرا في كيفية قطع هذه الإمدادات على صمويل بن حفصون، اهتدى أخيرا في أن يبدأ بالهجوم على مدينة أشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ وذلك بمنطق النزعة الإسلامية التي غلبت عليه، حيث أمّل إن هو ذهب إلى أشبيلية واستطاع أن يُرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع إليه بالقوة أن ينضم إليه جيش أشبيلية المسلم الكبير، وبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية، وتقوى شوكته.

وبالفعل وبعون من الله كان له ما أمّل، حيث ذهب إلى أشبيلية بعد أقل من عام واحد من ولايته في سنة ثلاثمائة وواحد من الهجرة، واستطاع أن يضمها إليه؛ فقويت بذلك شوكته وعظم جانبه، فعاد إلى صمويل بن حفصون بعد أن قطع عنه المدد الغربي الذي كان يأتيه من أشبيلية، واسترد منه جبال رندة ثم شذونة ثم قرمونة، وهي جميعا من مدن الجنوب.

تعمق عبد الرحمن الناصر بعد ذلك ناحية الجنوب حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه، ويكون بذلك أيضا قد قطع الإمدادات والمساعدات التي كانت تأتيه من الجنوب من الدولة الفاطمية عن طريق مضيق جبل طارق، وسعى عبد الرحمن الناصر إلى أكثر من هذا حيث قطع أيضا طريق الإمدادات التي كانت تأتيه من الدول النصرانية في الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط حتى تصله، وبذلك يكون عبد الرحمن الناصر قد قطع عن صمويل بن حفصون كل طرق الإمدادات والمساعدات التي كانت تمده وتقويه.

لم يجد صمويل بن حفصون بدا من طلب الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر على أن يعطيه اثنين وستين ومائة حصنا من حصونه، ولأن البلاد كانت تشهد موجة من الثورات والانقسامات يريد عبد الرحمن الناصر أن يتفرغ لها، فضلا عن أنه سيضمن في يده اثنين وستين ومائة حصنا وسيأمن جانبه فقد قبل المعاهدة ووافق على الصلح من صمويل بن حفصون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:24 pm


عبد الرحمن الناصر يفجأ الجميع ويتجه نحو الشمال الغربي

أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر رحمه الله تضم قرطبة وأشبيلية وجيان وأستجة، وهي جميعا من مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون أخرى كثيرة - كما ذكرنا - وكل هذه المساحة كانت تمثل تقريبا سدس مساحة الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت، هذه واحدة.

الأمر الثاني أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصونا كثيرة ويسيطر سيطرة كاملة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو أشبيلية.

والأمر الثالث أنه كان هناك تمرد في طليطلة تقع في شمال قرطبة، ورابعا تمرد في سرقسطة في الشمال الشرقي، وخامسا تمرد في شرق الأندلس في بلنسية، وسادسا تمرد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي.

أي أن الأندلس في عام اثنين وثلاثمائة من الهجرة كانت مقسمة إلى ستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبد الرحمن الناصر، ويضم قرطبة وأشبيلية وما حولها بما يقارب سدس مساحة الأندلس كما ذكرنا، والخمسة الأخرى موزعة على خمس متمردين، والمتوقع - إذن - هو أن يحاول عبد الرحمن الناصر من جديد مقاومة إحدى مراكز التمرد هذه إن لم تكن الأقرب إليه.

وإن المرء ليقف فاغرا فاه شاخصا بصره حين يعلم أن عبد الرحمن الناصر ترك كل هذه التمردات، واتجه صوب الشمال الغربي صوب مملكة ليون النصرانية مباشرة. ترك عبد الرحمن الناصر كل شيء وأخذ جنده من قرطبة وأشبيلية وصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى هناك، والتي كانت تهاجم منطقة من مناطق المتمردين غرب الأندلس.

ظل عبد الرحمن الناصر في حرب مع قوات النصارى تلك في أرض المتمردين عامين كاملين، عاد بعدها منتصرا محملا بالغنائم، تاركا البلاد راجعا إلى قرطبة وأشبيلية، وكأنه أراد أن يعلم الناس أمرا ويرسل إليهم برسالة في منتهى الوضوح كانت قد خفيت عليهم، مفادها الأعداء الحقيقيين ليسو المسلمين في الداخل، إنما هم النصارى في الشمال، إنما هم في مملكة ليون، ومملكة نافار، ومملكة أراجون.

بهذا العمل استطاع عبد الرحمن الناصر رحمه الله إحراج المتمردين إحراجا كبيرا أمام شعوبهم، كما استطاع أن يحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب نحو من يدافع عن قضاياها الخارجية، ونحو من يحارب أعداءها الحقيقيين.

وهي نصيحة إلى أولياء أمور المسلمين بألا يتهاونوا بعواطف الشعوب، وأن يقدروها حق قدرها، وأن يستميلوها بالتوجه نحو الأعداء الحقيقيين بدلا من الصراع مع الجار أو القطر المسلم، فإذا كانت القضية هي فلسطين، أو هي الشيشان، أو هي كشمير، أو هي غيرها من قضايا المسلمين كان التوحد والتجمع، وكان الانسجام وعدم الفُرقة.

نتائج توجه عبد الرحمن الناصر نحو الشمال الغربي

فقه الدرس ووعاه جيدا عبد الرحمن الناصر، وبعد عامين من مهاجمة النصارى في الشمال في واحدة هي من أكبر الحملات التي قادها رحمه الله والتي انتهت في سنة أربع وثلاثمائة من الهجرة عاد بجيشه القليل نسبيا محملا بالغنائم، وذلك بعد انتصارات عديدة على النصارى هناك.

كانت نتائج أخرى ليست أقل من سابقتها في انتظاره رحمه الله كانت أولاها أن أذعنت سرقسطة وانضمت إليه دون قتال، وكانت الثانية بمثابة هدية من رب العالمين لمن التزم دينه وجاهد في سبيله وثبت عليه، وهي موت صمويل بن حفصون مرتدا وعلى نصرانيته في سنة ست وثلاثمائة من الهجرة، عن عمر يناهز ست وستين سنة.

وفي سرعة يحسد عليها قام عبد الرحمن الناصر مستغلا هذا الحدث، وضم إليه كل مناطق الجنوب الشرقي، وفي خطوة تالية استتاب النصارى الذين كانوا قد ارتدوا مع صمويل من الإسلام إلى النصرانية ثلاثة أيام، فمن تاب منهم وعاد إلى الإسلام قبله في جيشه، ومن أبى إلا أن يظل نصرانيا قتله ردة، وكان من هذا الصنف الأخير ابنة عمر أو صمويل بن حفصون، وقد كانت تحفز الناس على ألا يتركوا دين الآباء ودين النصرانية.

عبد الرحمن الناصر والطريق إلى راية واحدة للأندلس

لم يلتقط عبد الرحمن الناصر رحمه الله أنفاسه، وقام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة بالتحرك نحو واحدة من مراكز التمرد وهي طليطلة، تلك التي لم تستطع أن تقف أمام هذه القوة الجارفة فضمها إليه في سهولة، بعدها أصبح الطريق آمنا نحو الشمال مباشرة؛ حيث سرقسطة في الشمال الشرقي، وطليطلة في وسط الشمال قد أصبحتا في يده.

وفي نفس العام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة، وعمره آنذاك ثلاثون سنة فقط، قام عبد الرحمن الناصر على رأس حملة ضخمة جدا باتجاه نصارى الشمال، فكانت غزوة موبش الكبرى بين عبد الرحمن الناصر من جهة، وجيوش ليون ونافار مجتمعة من جهة أخرى، واستمرت هذه الغزوة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، حقق فيها عبد الرحمن الناصر انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضم إليه مدينة سالم وكانت تحت يد النصارى.

بعد أربعة أعوام من غزوة موبش وفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة من الهجرة قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه رحمه الله حملة ضخمة أخرى على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدودات أن يكتسحها اكتساحا، ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة بمبلونة عاصمة نافار، ثم بدأ بعدها يحرر الأراضي التي كان قد استولى عليها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية.

وفي سنة ست عشرة ومائة من الهجرة يقود عبد الرحمن الناصر حملة أخرى على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه، ثم في نفس العام حملة أخرى على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي ومن ثم يضم غرب الأندلس إلى أملاكه من جديد.

وبذلك وبعد ستة عشرا عاما من الكفاح المضني، يكون رحمه الله قد وحّد الأندلس كله تحت راية واحدة، وحّدها جميعا ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عاما بعد، رحمه الله رحمة واسعة.

عهد جديد.. عهد الخلافة الأموية

نظر عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى العالم الإسلامي من حوله فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت، وكان قد قُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي، وقد تولى الأتراك حكم البلاد فِعْليا وإن كانوا قد أجلسوا الخليفة العباسي القادر بالله على كرسي الحكم.

ثم نظر رحمه الله إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا الخلافة وسمّوا أنفسهم أمراء المؤمنين، فرأى أنه وقد وحّد الأندلس وصنع هذه القوة العظيمة أحق بهذه التسمية وبذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين، وسمى الإمارة الأمويّة بالخلافة الأموية.

ومن هنا يبدأ عهد جديد في الأندلس هو عهد الخلافة الأموية، وذلك ابتداء من سنة ست عشرة وثلاثمائة وحتى سنة أربعمائة من الهجرة، أي نحو أربع وثمانين سنة متصلة، وهو يعد عهد الخلافة الأموية استكمالا لعهد الإمارة الأموية، مع فروق في شكليات الحكم وقوة السيطرة والسلطان لصالح الأخير.

عبد الرحمن الناصر يتابع سياسته العسكرية التوسعية

بعد ثلاث سنوات من إعلان الخلافة الأموية، وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة يتجه عبد الرحمن الناصر جنوبا نحو مضيق جبل طارق، ويقوم بغزو بلاد المغرب ويحارب الفاطميين هناك فيضم سبتة وطنجة إلى بلاد الأندلس، وتتم له بذلك السيطرة الكاملة على مضيق جبل طارق، فيبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح، لكنه لم يشأ أن يمدهم بالجنود تحسبا لهجمات ممالك النصارى في الشمال.

وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة من الهجرة تحدث خيانة من حاكم مملكة الشمال الشرقي سرقسطة محمد بن هشام التجيبي، حيث ينضم إلى مملكة ليون النصرانية لحرب عبد الرحمن الناصر، وبكل حزم وقوة يأخذ عبد الرحمن الناصر جيشا كبيرا يتصدى به لهذه الخيانة ويهاجم مدينة سرقسطة، وعند أطراف المدينة يهاجمه جيش سرقسطة، فيغزو عبد الرحمن الناصر قلعة حصينة ويمسك بقوّاد هذا الجيش، ويقوم بإعدامهم على الفور وأمام أعين الجميع في عمل لا يوصف إلا بالكياسة والحزم.

وهنا أعلن حاكم سرقسطة محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر، وكعادة الأبطال الدهاة والساسة الحكماء قبل منه رحمه الله اعتذاره ثم أعاده حاكما على سرقسطة، رابحا بذلك كل قلوب التجيبيين بعد أن كان قد تملك منهم، متشبها أيضا برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال لأهل مكة بعدما دخلها فاتحا، وكانوا قد طردوه منها وآذوه هو وأصحابه اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ.

وبمنطق الحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة عمل عبد الرحمن الناصر، فأطلق حكّام سرقسطة بعد أن أعلنوا توبتهم وأعاد التجيبيين إلى حكمهم؛ فأثّر ذلك كثيرا في المدينة كلها، فما ارتدت بعد ذلك على عهدها مع عبد الرحمن الناصر رحمه الله.

وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة من الهجرة هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة أراجون النصرانيّة في الشمال الشرقي بجوار مملكة سرقسطة وضمها إلى أملاك المسلمين، وكذلك ضم برشلونة والتي كانت قد سقطت منذ سنوات كثيرة.

زلة لا تخطئ البشر ولا تعرف النسب

أن تسير الأمور هكذا على الدوام أمر في غاية الصعوبة، أن لا تحدث زلة فليس هناك بشرلا يخطئ، ولكل جواد كبوة، هذه ليست مبررات لما سيأتي بقدر ما هي بحث في العلة والسبب في محاولة لتجنبه وتفاديه طالما هو من شيمة البشر.

في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة وبعد سبع وعشرين سنة من بداية عهد عبد الرحمن الناصر كانت قوّة الجيش الإسلامي قد بلغت شأوا عظيما، حيث ناهزت المائة ألف مقاتل، والأندلس آنذاك تحت راية واحدة، أخذ عبد الرحمن الناصر هذا الجيش العظيم متجها إلى مملكة ليون النصرانية ليحاربهم هناك.

وفي زلة لا تعرفها السنن الكونية راح عبد الرحمن الناصر يعتقد في جيشه وقوة عدده، ونسوا جميعا الدعاء الذي كانوا يتضرعون به لرب العالمين وهم عالة ضعفاء أن ينصرهم على أعدائهم، وفي درسٍ قاسٍ له ولجيشه الجرار، وفي حنين أخرى تدور واحدة من أشرس وأعنف المعارك على المسلمين أصحاب الأرقام الستة، سميت بموقعة الخندق أو موقعة سامورة.

وإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بسامورة تنقلب حنينا، والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد من البشر نسبا، فإذا أخطأ العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة، فانهزم جيش المسلمين في موقعة الخندق أو موقعة سامورة، وبانتهاء المعركة كان نصف عدد الجيش خمسون ألفا بين القتل والأسر، وفر عبد الرحمن الناصر رحمه الله مع النصف الآخر عائدين بأكبر خسارة وأثقل هزيمة.

عبد الرحمن الناصر والعودة إلى سابق عهده

بعد موقعة سامورة لم يستسلم عبد الرحمن الناصر رحمه الله، وهو الذي رُبّي على الجهاد والطاعة لربه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فعلم مواضع الخلل ومواطن الضعف، ومن جديد تدارك أمره وقام وقام معه العلماء والمربون يحفزون الناس ويعلمونهم الإسلام.

ومن جديد أعادوا هيكلهم وقاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة تسع وعشرين وتسعمائة من الهجرة، تلتها حملات مكثفة وانتصارات تلو انتصارات، ظلت من سنة تسع وعشرين وتسعمائة إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، حتى أيقن النصارى بالهلكة، وطلب ملك ليون الأمان والمعاهدة على الجزية، يدفعها لعبد الرحمن الناصر عن يد وهو صاغر.

كذلك فعل ملك نافار، ومثلهما مملكة أراجون النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فدفعوا جميعا الجزية ابتداءا من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى آخر عهده رحمه الله سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة.

مظاهر الحضارة في عهد عبد الرحمن الناصر

ما سبق كان من التاريخ السياسي والعسكري لعبد الرحمن الناصر رحمه الله وواقع الأمر أن جهده لم يكن كله موجها فقط إلى الجيوش والحروب، بل إنه كان متكاملا ومتوازنا رحمه الله في كل أموره.

فقد قامت في عهده أروع حضارة عرفتها البشرية في تاريخها القديم، استهلها رحمه الله بإنشاء هياكل إدارية عظيمة، وأكثر من الوزارات والهيئات، وجعل لكل أمر مسئولا ولكل مسئول وزارة كبيرة تضم عمالا كثيرين وكتبة، وهذه نبذة عن أهم جوانب الحياة الحضارية في عصره

الجانب المعماري

كان من أهم ما يميز الناحية المعمارية في عهد عبد الرحمن الناصر تلك المدينة العظيمة التي أنشأها وأطلق عليها اسم مدينة الزهراء، وهي تقع في الشمال الغربي لمدينة قرطبة، وكان قد اضطر لإنشائها حتى يتسنى له استقبال الوفود الكثيرة التي كانت تأتي إليه من كل بلاد العالم تخطب وده رحمه الله.

كانت مدينة الزهراء على طراز رفيع جدا، وقد استجلب لها عبد الرحمن الناصر رحمه الله موادا من القسطنطينية ومن بغداد ومن تونس ومن أوروبا، وقد صممت على درجات مختلفة فكانت هناك درجة سفلى وهي للحراس والكتبة والعمال، ثم درجة أعلى وهي للوزراء وكبار رجال الدولة، ثم أعلى الدرجات في منتصف المدينة وفيها قصر الخلافة الكبير.

وفي مدينة الزهراء أنشأ عبد الرحمن الناصر قصر الزهراء، ذلك القصر الذي لم يبق في التراث المعماري الإسلامي أبدا مثله، فقد بالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه، فكان الناس يأتون من أوروبا ومن كل أقطار العالم الاسلامي كي يشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء.

وهذه أيضا مدينة قرطبة وقد اتسعت جدا في عهد عبد الرحمن الناصر، وبلغ تعداد سكانها نصف مليون مسلم، معتبرة بذلك ثاني أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره بعد بغداد المدينة الأولى، والتي كان تعداد سكانها يبلغ مليونين.

ضمت مدينة قرطبة ثلاث عشرة آلاف دار، والدار بلغة العصر هي المكان الواسع الفسيح الذي يضم بيتا وحديقة من حوله، وكان فيها ثمان وعشرون ضاحية، فضلا عن ثلاثة آلاف مسجد، حتى أطلق عليها في ذلك العصر وبحق جوهرة العالم.

ثم هو أيضا مسجد قرطبة وقد وسّعه رحمه الله حتى أصبح آية من آيات الفن المعماري، وكان محرابه عبارة عن قطعة رخام واحدة على شكل محارة كان قد أتى بها من إيطاليا، وأنشأ أيضا حدائق للحيوان في كل أرض الأندلس ومسارح للطيور.

الجانب الاقتصادي

كانت البلاد في عهده رحمه الله تعيش في رخاء منقطع النظير، فكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة ستة ملايين دينارا ذهبا، كان يقسمها ثلاثة أقسام كجده عبد الرحمن الداخل رحمه الله ثلث للجيش وثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك، والثلث الأخير للادخار لنوائب الزمن.

وكان قد اهتم رحمه الله اهتماما كبيرا بالزراعة، وكانت قد كثرت الفواكه في عهده، وأولى رحمه الله زراعة القطن والكتان والقمح عناية خاصة لم تفق عنايته بقوانين الزراعة نفسها.

مجال الصناعة والمناجم

كان من جل اهتماماته أيضا استخراج الذهب والفضة والنحاس، وكذلك صناعة الجلود وصناعة السفن وآلات الحرث والأدوية، وقام رحمه الله بإنشاء أسواق كثيرة متخصصة لعرض وتداول مثل هذه البضائع، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق للنحاسين، وأخرى لللحوم، بل حتى سوق للزهور.

الناحية الأمنية

عم الأمن والأمان عهد عبد الرحمن الناصر، فلم تقم أبدا ثورات عليه طيلة عهده الثاني، فكان جهاز الشرطة قد قوي كثيرا، وكانت هناك الشرطة التخصصية، شرطة للنهار وأخرى للليل، وثالثة للتجارة ورابعة للبحر وهكذا، وكذلك قد انتشر البريد كثيرا.

وأنشأ رحمه الله ما يعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جدا بمحاكم الاستئناف اليوم، وقد طور من شكل المحاكم، وحكم الشرع وأقامه إقامة دقيقة، وما فرط أبدا في كلمة من كلمات الله سبحانه وتعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الناحية العلمية

في عهده رحمه الله ازدهر العلم والتعليم بصورة ملحوظة، وقد اهتم كثيرا بمكتبة قرطبة، تلك التي كانت قد تأسست قبل هذا، فزاد كثيرا في حجمها حتى بلغ عدد الكتب فيها أربعمائة ألف كتاب، وهو زمن لم تظهر فيه الطباعة بعد، وإنما كانت عن طريق النسخ اليدوي.

ومن أجل هذا فقد ظهرت وظائف جديدة للمسلمين لم يعتادوا عليها قبلا، فظهرت مثلا وظيفة النسّاخين، فإذا أراد أحد من الناس أن يمتلك كتابا ما عليه إلا أن يذهب إلى نَسّاخ فيذهب النساخ بدوره إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ما يريد لم تكن هناك حقوق طبع كالموجودة الآن، حيث كان المؤلف يكتب كتابه ويتمنى أن ينشر وينسخه كل العالمين؛ لأنه ما كان يكتب إلا ابتغاء وجهه سبحانه وتعالى.

كذلك أيضا ظهرت وظيفة الباحثين، فمثلا لو صادفتك مسألة من مسائل الفقه أو مسائل العقيدة أو السيرة، وصعب عليك أن تبحث عنها في أربعمائة ألف كتاب، فما عليك إلا أن تذهب إلى باحثين خبراء، فيبحثوا لك عن كل ما تريد.

السياسة الخارجية

ذاع صيت عبد الرحمن الناصر رحمه الله في الدنيا جميعا، ورضيت منه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وقد جاءت السفارات من كل أوروبا تطلب وده، فجاءت السفارات من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، بل جاءت من أقصى شرق أوروبا من بيزنطة، وهي بعيدة جدا عن عبد الرحمن الناصر لكنها جاءت تطلب وده وتهدي إليه الهدايا، وأشهرها كانت جوهرة ثمينة وضخمة جدا، كان يضعها عبد الرحمن الناصر في وسط قصره الذي في مدينة الزهراء.

من ضمن ما جاءه من الرسائل كانت رسالة من ملك إنجلترا يرجوه فيها أن يعلم أربعة من علماء إنجلترا في مكتبة قرطبة أو في جامعة قرطبة، طلب منه ملك إنجلترا هذا الطلب ثم وقّع في آخر الرسالة خادمكم المطيع ملك إنجلترا.

وهكذا كان عز الاسلام وكبرياؤه متمثلا في عهد عبد الرحمن الناصر رحمه الله حتى أصبح بلا منازع أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى، الأمر الذي جعل إسبانيا في سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف من الميلاد تحتفل وهي على نصرانيتها بمرور ألف سنة ميلادية على وفاة عبد الرحمن الناصر؛ لأنه كان أعظم ملوك إسبانيا على مر العصور، فلم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم بهذا الرجل الذي رفعهم في العالمين، والتي كانت الأندلس في عهده وبلا جدال أقوى دولة في العالم.

عبد الرحمن الناصر.. الإنسان

من يقرأ أو يسمع عن مثل ما سبق يجول في خاطره أن مثل هذا الرجل لم يكن يعرف إلا طريقا واحدا، هو طريق العظمة والكبرياء، طريق العزة وعدم الخنوع، إلا أن من ينظر بقرب إلى شخص عبد الرحمن الناصر رحمه الله والذي ظل يحكم البلاد من سنة ثلاثمائة إلى سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة نصف قرن كامل ليرى العجب العجاب، فقد كان رحمه الله مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائم الذكر لربه سبحانه وتعالى سريع الرجوع إليه.

فقد حدث ذات مرة قحط شديد في الأندلس، وقام الناس للاستسقاء، ولكن نظروا فلم يجدوا الخليفة معهم، فذهبوا يبحثون عنه، وكان يقوم بالصلاة المنذر بن سعيد رحمه الله فأرسل غلاما للبحث عن عبد الرحمن الناصر، فذهب الغلام إلى القصر فوجده منفردا بنفسه حائرا، لابسا أخشن الثياب، جالسا على التراب، ودموعه قد بللت لحيته، يعترف بذنوبه ويقول يا رب، هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! يا رب، لن يفوتك شيء مني، فتركه الغلام وذهب إلى المنذر بن سعيد وأبلغه بما رأى، فقال المنذر يا غلام، أبشر، احمل المطر معك؛ فقد أذن الله سبحانه وتعالى بالسقيا، فإذا خشع جبّار الأرض يقصد من يملك الناس فقد رحم جبّار السماء.

وها هو يتوفي رحمه الله سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة عن اثنين وسبعين عاما، وقد وجدوا في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم، فعدّوها فوجدوها أربعة عشر يوما فقط.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:26 pm


الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وعصر النهضة

استخلف عبد الرحمن الناصر على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، والذي تولى من سنة خمسين وثلاثمائة إلى سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، وفي عهده حدثت في بلاد الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة؛ ولا غرو فقد تولى الحُكم وهو يبلغ من العمر سبعا وأربعين سنة، وكان هو نفسه عالما من العلماء، ويكفي أنه لُقّب بعاشق الكتب.

أنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، تلك التي تعد أعظم مكتبات العصور الوسطى على الإطلاق، وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد، وقد دفع آلاف الدنانير لجلب أعظم الكتب إليها من كل مكان في العالم، وكان له عمّال وظيفتهم الوحيدة هي جمع الكتب من مشارق الأرض ومغاربها من بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين، فإن جاء كتاب في الفلك أوالطب أوالهندسة أو غيرها من أي بلد غير إسلامي تُرجم على الفور وضُم إلى المكتبة الأموية.

كان رحمه الله يشتري الكتب مهما بالغ الناس في أسعارها، وقد أحضر في مكتبته هذه النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني كتاب في الأدب وأصفهان هذه الآن من مدن إيران، فلم تكن تقف أمامه التخوم ولا الحدود.

كثر النسخ في عصره وكان وظيفة النساء في البيوت، واشتهرت نساء الأندلس بحسن الخط وجماله؛ حيث كان الرجال مشغولون بالجهاد ونشر العلم والبناء والمعمار وغيره، وكانت قد ازدهرت كثيرا في الأندلس صناعة الكتب والورق والتجليد والأحبار، الأمر الذي كان فيه باباوات إيطاليا يشترون الورق من الأندلس ليكتبوا عليه أناجيلهم، وكذلك كانت كل أوروبا تستورد الورق وغيره الكثير من بلاد الأندلس.

وسّع الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله في المكتبة كثيرا، وجعل لها أروقة عظيمة حتى تستوعب كثرة الحضور من المسلمين، وأنشأ أيضا دارا لتعليم الفقراء بالمجان، وخصص المعونات والمكافآت لطلاب العلم، حتى انتشر التعليم بصورة ملفتة، واختفت الأمية تماما في هذا العهد السحيق - منذ أكثر من ألف عام - وأصبح كل أهل الأندلس يعرفون القراءة والكتابة.

أنشأ أيضا رحمه الله جامعة قرطبة، وقد كان العلماء قبل إنشائها يشتغلون بالتجارة أوالزراعة أوالصناعة أو غيرها من الحرف اليدوية، إضافة إلى كونهم يتعلمون ويُعلّمون، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة قائمة بنفسها، فكان يجعلهم يفرغون للتدريس والتعليم فقط؛ وذلك حتى يستطيعوا أن يبدعوا فيه.

جهاد الحكم بن الناصر وتوسعاته

وسط هذه الأجواء العلمية، وهذا الاهتمام الكبير من قِبَل عاشق الكتب بالعلم والتعليم، ظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يهتم بالعلم على حساب الجهاد، وعلى خلاف عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر قاموا بمهاجمة مناطق الشمال، فما كان من الحكم إلا أن ردّ عليهم كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه، وانتصر عليهم رحمه الله في مواقع عدة، حتى رضوا بالجزية من جديد عن يد وهم صاغرون.

ومن منطلق إسلامي بَحْت بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، كان الأندلسيون لا يملكون سوى مينائي سبتة وطنجة في عهد عبد الرحمن الناصر، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر كانت قد انضمت كل بلاد المغرب إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأمويّة.

ظل الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم من سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة، وحتى سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، في فترة هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:31 pm


عهد الدولة العامرية والفتنة
الحكم بن عبد الرحمن الناصر وكبوة الجواد

بالرغم من أنه كان من أفضل الحكام المسلمين على الأندلس إلا أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في آخر عهده قد أخطأ خطأ جسيما، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج شلل فقام باستخلاف أكبر أولاده هشام بن الحكم وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة فقط، استخلفه على بلاد الأندلس وفوقها بلاد النصارى في الشمال ومن تحتها الدولة الفاطمية في الجنوب، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى الكيد بهذه القوة العظيمة وهزيمتها.

وهي بلا شك زلّة خطيرة جدا من الحكم بن عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان عليه أن ينتقي من يستخلفه لهذه المهمة الجسيمة، ويولي رجلا آخر من بني أميّة، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية، كثيرة الأعداء متسعة الأطراف، ومترامية الأبعاد كدولة الأندلس.

توفي الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، مستخلفا على الحُكم ابنه الطفل الصغير هشام بن الحكم، وقد جعل عليه مجلس وصاية مكون من ثلاثة أشخاص

الأول الحاجب وهو جعفر بن عثمان المصحفي، والحاجب تعني الرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة مباشرة، وهو في منزلة رئيس الوزراء حاليا.

الثاني قائد الشرطة وهو محمد بن أبي عامر، وكان من اليمن.

الثالث أم هشام بن الحكم، وكان اسمها صبح. مش أنا والله
محمد بن أبي عامر، ونواة الدولة العامرية

كان محمد بن أبي عامر يملك طموحات ضخمة وآمال أطمعته في أن يكون واليا على هذه البلاد، ولتحقيق هذا الحلم قام بعدة مكائد غاية في الظلم والقسوة، فعمل على الآتي

أولا فكر في التخلص من الوصيين اللّذَيْن كانا معه على هشام بن الحكم، فدبر مكيدة سجن فيها الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ثم قتله بعد ذلك،

ثم نظر إلى أمر أم هشام بن الحكم فوجد أن موقفها ضعيف جدا بالنسبة له كقائد شرطة فتركها في قصرها، ثم تقلّد هو الأمور وحده، وبدأ يحكم بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم.

ثانيا أراد محمد بن أبي عامر بعد ذلك أن يقوّي جانبه أكثر مما كان عليه، فتزوج من ابنة أمير الجيش غالب بن عبد الرحمن، وهو بذلك يكون قد حيّد جانب أمير الجيش، وضمن ولاء الجيش الأندلسي له، وحين انتبه غالب بن عبد الرحمن أمير الجيش ووالد زوجته له وعلم نواياه وخطته وأفصح له عن ذلك، دبر محمد بن أبي عامر له مكيدة أيضا ثم قتله.

ثالثا لم يكتف محمد بن أبي عامر بذلك، فقد قام باستدعاء جعفر بن علي بن حمدون قائد الجيش الأندلسي في المغرب، كانت المغرب قد ضمت إلى بلاد الأندلس في عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر كما ذكرنا استدعاه إليه وقربه منه، واستفاد كثيرا من قوته، ثم دبّر له مكيدة أيضا فقتله، وكان كلما قتل شخصا عيّن آخرا مكانه يعمل برأيه وبوصاية منه، وبذلك يكون قد تملك من كل الأمور في الأندلس.

رابعا وبنظرة طويلة إلى الأمام بدأ محمد بن أبي عامر يقنع الخليفة هشام بن الحكم بالاختفاء في قصره بعيدا عن العيون؛ وذلك - وكما يدعي له - خوفاً عليه من المؤامرات، وأن على الخلفاء أن يتفرغوا للعبادة ويتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو غيرهما، وهكذا أقنعه، وقام هو بإدارة دفة البلاد، ورُبّي ونشأ هشام بن الحكم الطفل الصغير على هذا الفهم.

بروز نجم محمد بن أبي عامر الحاجب المنصور

مرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس، وهشام بن الحكم يكبر في السن لكنه لم يكن يعرف شيئا عن الحكم وتحمل المسئولية، وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وبعد حوالي خمس سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه، كان قد استتب لمحمد بن أبي عامر الأمر ولقب نفسه بالحاجب المنصور.

كان من عادة الخلفاء قبل ذلك أن يطلقوا على أنفسهم ألقابا تميزهم ويُعرفون بها وعليها كانوا يؤملون، وذلك مثل الناصر بالله، الحاكم بأمر الله، المؤيد بالله، لكن هذه هي أول مرة يقوم فيها الوصي أو رئيس الوزراء أو الحاجب بأخذ لقب لنفسه وهو المنصور، الأمر الذي تطور كثيرا حتى أصبح يدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم، ثم نقش اسمه على النقود وعلى الكتب والرسائل.

وإتماما لذلك وكما أنشأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله مدينة الزهراء في الشمال الغربي من مدينة قرطبة لتكون مركزا لخلافته، قام محمد بن أبي عامر بإنشاء مدينة جديدة في شرق قرطبة سمّاها مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية.

وإلى مدينة الزاهرة بدأ محمد بن أبي عامر ينقل الوزارات ودواوين الحكم، وأنشأ له قصرا كبيرا هناك، وبدأ يجمل فيها كثيرا، حتى أصبحت مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية هي المدينة الأساسية في الأندلس وبها قصر الحكم.

الدولة العامرية

بعد التمهيدات السابقة وفي الطريق نحو فترة جديدة وعهد جديد من تاريخ الأندلس قام محمد بن أبي عامر بعمل الآتي

أولا في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة من الهجرة قام بأمر لم يعهد من قبل في تاريخ الأندلس، بل في تاريخ المسلمين، حيث عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور، وكان المشهور والمتعارف عليه أن الخليفة وحده هو الذي يعهد بالخلافة من بعده.

ثانيا وتمهيدا لإقامة ملك على أنقاض بني أمية، قام في سنة ست وثمانين وثلاثمائة من الهجرة بتلقيب نفسه بلقب الملك الكريم، كل هذا وهشام بن الحكم الخليفة يكبر في السن، لكن ليس له من الأمر شيء.

ثالثا قام محمد بن أبي عامر بعد ذلك بعمل خطير أدى - فيما بعد وعلى ما سنرى - إلى انقسامات كثيرة في بلاد الأندلس، فقد كان محمد بن أبي عامر يمنيا، واليمنيون في الأندلس ليسوا بكثرة، ولخشيته من الاستعانه بالقبائل المضرية وقبائل بني أمية معه في الجيش وبقية الأمور فكر أن يستعين بعنصر آخر وهم البربر، فبدأ يعظم من أمرهم ويرفع من شأنهم؛ حتى يضمن ولاءهم.

بدأ العامريون يكثرون في أماكن الحكم في بلاد الأندلس، وبدأ التاريخ يسجل لهم عهدا جديدا سماه الدولة العامرية، وقد بدأت فترة هذه الدولة فعليا منذ سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، ومنذ أن تولى محمد بن أبي عامر أمر الوصاية على هشام بن الحكم، وظلت حتى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، أي أنها استمرت ثلاثا وثلاثين سنة متصلة، لكنها تعتبر داخلة في فترة الخلافة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم الأموي لا زال هو الخليفة حتى وإن كان رمزا أو بعيدا عن مجريات الأمور.

محمد بن أبي عامر، وجوانب مضيئة

كما رأينا فقد تولى محمد بن أبي عامر الحكم منذ سنة ست وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وحتى وفاته رحمه الله في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، بادئا عهده بمكائد ومؤامرات، وقتلٍ - على الأقل - لثلاثة أنفس حتى وصل إلى تولي كافة الأمور في الأندلس.

وإن من العجيب حقا أنه وبالرغم من أفعال محمد بن أبي عامر هذه، إلا أنه كانت له محامد وجوانب مضيئة في حياته، جعلت جميع المؤرخين يتعجبون جدا من سيرته ويقفون في حيرة من أمره، وكان من هذه الجوانب الوضاءة ما يلي

أولا كان مجاهدا من الطراز الأول

كان غريبا حقا أن يغزو محمد بن أبي عامر في حياته أربعا وخمسين غزوة لم يهزم أبدا في واحدة منها، بل كان الأغرب من ذلك هو أن يصل الحاجب المنصور أو محمد بن أبي عامر في فتوحاته إلى أماكن في مملكة ليون وفي بلاد النصارى لم يصل إليها أحد من قبل، بل لم يصل إليها الفاتحون الأوائل مثل موسى بن نصير وطارق بن زياد، فقد وصل الحاجب المنصور إلى منطقة الصخرة، تلك المنطقة التي لم تُفتح من قِبَل المسلمين من قبل، واستطاع رحمه الله أن يغزو النصارى في عقر دارهم، وها هو قد وصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلسي في الشمال.

كان متعارف قبل ذلك أن الجهاد في الصوائف فقط، إلا إن الحاجب المنصور كان له في كل عام مرتان يخرج فيهما للجهاد في سبيل الله، عُرفتا هاتان المرتان باسم الصوائف والشواتي.

وهذه صور من حياته الجهادية

يُسيّر جيشا جرارا لإنقاذ نسوة ثلاث

جاء عن الحاجب المنصور في سيرة حروبه أنه سيّر جيشا كاملا لإنقاذ ثلاث من نساء المسلمين كن أسيرات لدى مملكة نافار، ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من شروط هذا العهد ألا يأسروا أحدا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم، فحدث ذات مرة أنه ذهب رسول من رسل الحاجب المنصور إلى مملكة نافار، وهناك وبعد أن أدّى الرسالة إلى ملك نافار أقاموا له جولة، وفي أثناء هذه الجولة وجد ثلاثا من نساء المسلمين في إحدى كنائسهم فتعجب لوجودهن، وحين سألهن عن ذلك قلن له إنهن أسيرات في ذلك المكان.

وهنا غضب رسول المنصور غضبا شديدا وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلا أن سيّر جيشا جرارا لإنقاذ هؤلاء النسوة، وحين وصل الجيش إلى بلاد نافار دُهش جدا ملك نافار وقال نحن لا نعلم لماذا جئتم، وقد كانت بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل، ونحن ندفع لكم الجزية. وبعزة نفس في غير كبر ردوا عليه بأنكم خالفتم عهدكم، واحتجزتم عندكم أسيرات مسلمات، فقالوا لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النسوة الثلاث، فقال ملك نافار إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن؛ فقد أسرهن جندي من الجنود وقد تم عقاب هذا الجندي، ثم أرسل برسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارا كبيرا، فعاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه الثلاث نساء.

يقطع النصارى عليه الطريق، فيُملي هو شروطه

يُذكر عن الحاجب المنصور أيضا أنه رحمه الله وهو في جهاده لفتح بلاد النصارى كان قد عبر مضيقا في الشمال بين جبلين، ونكاية فيه فقد نصب له النصارى كمينا كبيرا، فتركوه حتى عبر بكل جيشه وحين همّ بالرجوع وجد طريق العودة قد قطع عليه، ووجد المضيق وقد أغلق تماما بالجنود.

ما كان من أمر الحاجب المنصور إلا أن عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتل مدينة من مدن النصارى هناك، ثم أخرج أهلها منها وعسكر هو فيها، ووزّع ديارها على جنده، وتحصّن وعاش فيها فترة، ثم اتخذها مركزا له يقود منه سير العمليات العسكرية، فأخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى، ويأخذ الغنائم ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتلّه النصارى ومنعوه من العودة منه.

وهنا ضج النصارى وذهبوا مغاضبين إلى قوادهم يعرضون عليهم أن يفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلده مرة أخرى أو يجدوا حلا لهم في هذا الرجل، فاستجابوا لهم وعرضوا على الحاجب المنصور أن يخلوا بينه وبين طريق العودة ويعود من حيث أتى، ما كان من المنصور إلا أن رفض هذا العرض، ورد عليهم متهكما أنه كان يأتي إليهم كل عام مرتين، صيفا وشتاءا، وأنه يريد هذه المرة أن يمكث بقية العام حتى يأتي موعد المرة الثانية، فيقوم بالصوائف والشواتي من مركزه في هذه البلاد بدلا من الذهاب إلى قرطبة ثم العودة منها ثانية.

لم يكن مفر أمام النصارى سوى أن يطلبوا منه الرجوع إلى بلده وله ما يريد، فاشترط عليهم الحاجب المنصور في سبيل موافقته على عرضهم ما يلي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:32 pm


أولا أن تفتحوا المضيق ولا تبقوا فيه نصرانيا واحدا، فوافقوه على ذلك.

ثانيا أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها من أمام المضيق، فبدأوا يرفعون جثث الجنود الذين قتلوا أمام المضيق وأبعدوها عنه.

ثالثا أن تحملوا لي جميع الغنائم من هنا إلى مقري في قرطبة، وبالفعل أجابوا إلى ذلك، وحملوا الغنائم التي حصّلها من بلادهم من ليون في الشمال حتى أوصلوها إلى قرطبة في الجنوب.

يجمع ما علق على ثيابه من غبار ليدفن معه في قبره

مقتديا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم لَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح. فكان من عادة الحاجب المنصور رحمه الله في جهاده وبعد كل معركة أن ينفض ثوبه ويأخذ ما يخرج منه من غبار ويضعه في قارورة، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن معه هذه القارورة؛ وذلك حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى.

إلا أنه ومع كل هذه الحروب ومع كل هذا الجهاد، ورغم أنه غزا أربعا وخمسين غزوة ولم يهزم في واحدة منها قط، فلم يكن سمت حروب الحاجب المنصور سمتا إسلاميا مثل التي كانت في زمن عبد الرحمن الناصر أو الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فقد كان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى عمقها، ويقتل منهم ثم يعود فقط محملا بالغنائم، ولم يكن من همه أبدا أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين، أو أن يُعلّم أهلها الإسلام، أو أن ينشر الدعوة في هذه البلاد، فبقي الحال كما هو عليه، بل إن النصارى زادت في قلوبهم الحمية لدينهم والحقد على المسلمين.

ثانيا اهتمامه بالجوانب الحضارية في البلاد

كان أيضا من الجوانب الوضاءة في حياة محمد بن أبي عامر أو الحاجب المنصور بعد كونه مجاهدا من الطراز الأول اهتمامه الكبير بالجانب المادي والحضاري في البلاد، فقد أسس مدينة الزاهرة على أحسن ما يكون - كما ذكرنا - وزاد كثيرا في مساحة مسجد قرطبة، حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية، وكان يشتري هذه المساحات ممن يقطنون حول المسجد وذلك بالمبلغ الذي يرضونه.

وقد ذكر في ذلك أنه كانت هناك سيدة وحيدة تسكن في بيت فيه نخلة بجوار المسجد، وقد أبت هذه السيدة أن تبيع بيتها هذا إلا إذا أتى لها الحاجب المنصور بمنزل فيه نخلة كالذي تملكه، فأمر الحاجب المنصور بشراء بيت لها فيه نخله كما أرادت حتى ولو أتى ذلك على بيت المال، ثم أضاف بيتها إلى حدود المسجد.

زاد الحاجب المنصور كثيرا في المسجد بعد ذلك، حتى أصبح ولفترة طويلة من الزمان أكبر من أي مسجد أو كنيسة في العالم، وهو لا يزال إلى الآن موجودا في إسبانيا، ولكنه - وللأسف - قد حُوّل إلى كنيسة بعد سقوط الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكذلك كانت العلوم والتجارة والصناعة وغيرها من الأمور قد ازدهرت كثيرا في حياة الحاجب المنصور، وقد عم الرخاء وامتلأت خزانة الدولة بالمال، ولم يعد هناك فقراء تماما كما كان الحال أيام الحكم بن عبد الرحمن الناصر أو أيام عبد الرحمن الناصر نفسه.

ثالثا عدم وجود ثورات أو خروج عليه طيلة عهده

كان الأمر اللافت للنظر أيضا في حياة الحاجب المنصور أنه ورغم طول فترة حكمه التي امتدت من سنة ست وستين وثلاثمائة وحتى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة لم توجد أي ثورات مطلقا، فلم تقم أي ثورة أو تمرد في عهده على طول البلاد واتساعها واختلاف أمزجتها.

فقد كان الحاجب المنصور رجلا قويا، محكِما للأمن والأمان في البلاد، كما كان عادلا جدا مع الرعية، ومما جاء في ذلك ما ترويه بعض الروايات من أنه جاءه يوما رجل بسيط من عامة الشعب، يبغي مظلمة عنده، وقال له إن لي مظلمة وإن القاضي لم ينصفني فيها، وحين سمع منه مظلمته أتى بالقاضي مستوضحا منه الأمر، وكيف أنه لم ينصف الرجل في مظلمته، فقال له القاضي إن مظلمته ليست عندي وإنما هي عند الوسيط بمكانة نائب رئيس الوزراء في زمننا، فأحضر الحاجب المنصور الوسيطَ وقال له اخلع ما عليك من الثياب يقصد ثياب التميز والحكم واخلع سيفك ثم اجلس هكذا كالرجل البسيط أمام القاضي، ثم قال للقاضي الآن انظر في أمرهما، فنظر القاضي في أمرهما وقال إن الحق مع هذا الرجل البسيط، وإن العقاب الذي أقضيه هو كذا وكذا على الوسيط، فما كان من الحاجب المنصور إلا أن قام بإنفاذ مظلمة الرجل، ثم قام إلى الوسيط فأقام عليه أضعاف الحد الذي كان قد أوقعه عليه القاضي، فتعجب القاضي وقال للمنصور يا سيدي، إنني لم آمر بكل هذه العقوبة، فقال الحاجب المنصور إنه ما فعل هذا إلا تقربا منا، ولذلك زدنا عليه الحد؛ ليعلم أن قربه منا لن يمكّنه من ظلم الرعيّة.

الدولة العامرية بعد الحاجب المنصور

من خلف ستار الخلافة الأموية ظل الحاجب المنصور يحكم الأندلس ابتداءا من سنة ست وستين وثلاثمائة وحتى وفاته سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وقد استخلف على الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور، فتولى الحجابة من حين وفاة والده وحتى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، أي سبع سنوات متصلة، سار فيها على نهج أبيه في تولي حكم البلاد، فكان يجاهد في بلاد النصارى كل عام مرة أو مرتين، كل هذا وهو أيضا تحت غطاء الخلافة الأموية.

في هذه الأثناء وعند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور أمر الحجابة كان الخليفة هشام بن الحكم قد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، ومع ذلك فلم يطلب الحكم ولم يحاول قط أن يُعمل نفوذه وسلطانه في بلاد الأندلس، فكان فقط قد تعود على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده.

تولي عبد الرحمن بن المنصور، وانتهاء الدولة العامرية.

في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة من الهجرة وفي إحدى الحملات في الشمال يتوفي عبد الملك بن المنصور، ثم يتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور؛ حيث كان أولاد بني عامر يتملكون زمام الأمور في البلاد، وأخذ أيضا يدير الأمور من وراء الستار، لكنه كان مختلفا عن أبيه وأخيه، فبالإضافة إلى أن أمه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، فقد كان عبد الرحمن بن المنصور شابا ماجنا فاسقا شَرّابا للخمر فعالا للزنا كثير المنكرات، فكان الشعب يكرهه بدرجة كبيرة، ذلك الشعب الذي كان غالبيته من المسلمين كان يكره أن يتولى أمره من جاء من أم نصرانية.

وفوق ذلك فقد قام عبد الرحمن بن المنصور بعمل لم يُعهد من قبل عند العامريين، وهو أنه أقنع الخليفة هشام بن الحكم في أن يجعله وليا للعهد من بعده، وبذلك لن يصبح الأمر من خلف ستار الخلافة الأموية كما كان العهد حال تولي والده محمد بن أبي عامر أو أخيه عبد الملك بن المنصور، فكان أن ضجّ بنو أميّة لهذا الأمر، وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على القيام بأي رد فعل؛ خاصة وأن عبد الرحمن بن المنصور قد جعل جميع الولايات في أيدي العامريين وفي يد البربر الذين هم أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور.

ومع كل هذا الفسق وهذا المجون الذي كان يعيشه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعود حياة الجهاد، والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، وفي إحدى المرات خرج عبد الرحمن بن المنصور على رأس جيش من الجيوش إلى الشمال، فانتهز الناس الفرصة وأرادوا أن يغيروا من الأمر، فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوة وعينوا مكانه رجلا من بني أميّة اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر من أحفاد عبد الرحمن الناصر، ثم دبروا مكيدة لعبد الرحمن بن المنصور وقتلوه، وانتهى بذلك عهد ما يسمى في التاريخ بعهد الدولة العامرية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:34 pm


سقوط الخلافة الأموية وانتهاء الدولة العامرية
كأن مقتل عبد الرحمن بن المنصور واشتعال الفتن والثورات في الأندلس كانا بميعاد، فمنذ أن قتل عبد الرحمن بن المنصور العامري انفرط العقد تماما في البلاد، وبدأت الثورات تكثر والمكائد تتوالى، وبدأت البلاد تُقسّم.

كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية ومن ثم سقوط الخلافة الأموية هو تولي عبد الرحمن بن المنصور الحكم، ذلك الرجل الفاسق الماجن الذي أسقط بني أميّة وأحدث كل هذه الاضطرابات الكثيرة في بلاد الأندلس
.

وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله سبحانه وتعالى أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقل من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يؤدي إلى مثل هذا الفشل الذريع والسقوط المدوي للبلاد، فلا بد إذن أن يكون هناك أسباب وجذور أخرى كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن حتى وصلت أوجها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثم كان هذا التفتت وذلك الانهيار
.

وكما رأينا سابقا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية وكيف كان لهذا الضعف أسباب وجذور تمتد إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لسقوط الدولة الأموية ومن ثم الدولة العامرية نذكرها فيما يلي

السبب الأول يرجع إلى زمن عبد الرحمن الناصر ذاته، ذلك الرجل الذي عقمت الدنيا أن تلد مثله، وهو البذخ والترف الشديد، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا، ومن ثم انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدل على ذلك من شأن قصر الزهراء، ذلك الذي أنشأه عبد الرحمن الناصر وكان آية في الروعة والجمال وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطنا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه أيضا مبطنا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول، ومع أن عبد الرحمن الناصر لم يكن مُقَصرا في الإنفاق في أي ناحية من النواحي مثل الإنفاق على التعليم أو الجيش أو غيره، إلا أن فعله هذا ليعد نوعا من البذخ والترف المبالغ فيه، أدى في النهاية إلى أن تتعلق القلوب بهذه الدنيا وزخرفها
.

ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عبد الرحمن الناصر ما تقول في هذا يا منذر يريد الافتخار؟ فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلا ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة وفضلك على كثير من عباده تفضيلا حتى ينزلك منازل الكافرين
.

فقال عبد الرحمن الناصر انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فرد عليه المنذر أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم


[وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ] {الزُّخرف33
} .

فقد ذكر الله سبحانه وتعالى السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز، يعني لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل، لكنّا لم نجعله، إلا أن عبد الرحمن الناصر فعله وجعل لقصره سقفا من فضة
.

وهنا وجم عبد الرحمن الناصر بعدما سقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه رحمه الله تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تبنى السُّقُف في ذلك الزمن، إلا أنه ولكثرة الأموال ومع مرور الوقت، كان مظهر الترف يعود ويبرز من جديد حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله سبحانه وتعالى [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء16
} .

السبب الثاني توسيد الأمر لغير أهله

إضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تجسد هذا العامل واضحا جليا حين ولّى الحكم بن عبد الرحمن الناصر ابنه أمور الحكم في البلاد وهو ما زال طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعد، فتحكم فيه الأوصياء وحدثت المكائد والمؤامرات، رغم ما كان من حياة الحَكَم الحافلة بالجهاد ونشر العلم والدين في البلاد
.

وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك حين أجاب السائلَ عن أمارات الساعة بقوله أماراتها، أَنْ تُضَيَّعَ الْأَمَانَةُ، فقال السائل وكيف إضاعتها فقال صلى الله عليه وسلم إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ
.

وهكذا إذا تولى من لا يستحق منصب من المناصب، فلا بد وأن تحدث الهزة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟ فقد ضيعت الأمانة ووسد الأمر لغير أهله، فكان لا بد أن تقع الأندلس والخلافة الأموية والدولة العامرية
.

السبب الثالث انتفاء روح الجهاد الحقيقية ليصبح مجردا للمادة وجمع الغنائم

كان أيضا من أهم أسباب سقوط الدولة العامرية الملحقة بالخلافة الأموية أن الدولة العامرية اعتمدت في جهادها على الناحية المادية من جند وعدد وعدة ومال ومعمار، ولم تصرف نواياها إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ولم يجددوا تربية الشعب على الجهاد في سبيل الله طلبا للجنة أو الموت في سبيل الله، فافتقد الشعب روح الجهاد الحقيقي ومعناه، وأصبح جل همه جمع المال وعدّ الغنائم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:36 pm


المهدي وبداية الفتنة وعهد ملوك الطوائف
من قريب كنا نتحدث عن الجهاد والفتوحات وعصر القوة والنفوذ، وها هو التاريخ يدير لنا ظهره ويبدأ دورة جديدة من دوراته في الأندلس، اتُّفق على تسميتها بعهد ملوك الطوائف، فكان من سنن الله عز وجل في كونه ألا تقوم أمة إلا ويكون لها سقوط كما كان لها قيام، يطول عهدها أو يقصر بحسب قربها أو بعدها من منهج من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

بعد خلع هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الذي تلقب بالمهدي انفرط العقد تماما في الأندلس، فلم يكن يملك المهدي من لقبه إلا رسمه، فكان فتى لا يحسن قيادة الأمور وليس له من فن الإدارة شيء، فكان من أول أعماله في الحكم ما يلي

أولا ألقى القبض على كثير من العامريين ثم قتلهم، وثانيا بدأ ينتقم من البربر الذين كانوا العون الرئيس لمحمد بن أبي عامر الرجل الأول في الدولة العامرية ولمن خلفه في الحكم من أولاده، فبدأ يقتّل أيضا فيهم ويقيم عليهم الأحكام حبسا وتشريدا.

أثار هذا الفعل غير الحصيف من قبل المهدي غضبا عارما لدى البربر والعامريين، بل وعند الأمويين أنفسهم الذين لم يعجبهم هذا القتل وذاك التشريد، وهذه الرعونة في التصرف، فبدأ يحدث سخط كبير من جميع الطوائف على المهدي
.

لم يكن ليقف الأمر عند هذا الحد، فقد تجمع البربر وانطلقوا إلى الشمال وهناك أتوا بسليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الخليفة المخلوع منذ شهور قليلة، فنصّبوه عليهم ولقبوه بخليفة المؤمنين، وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم هذا ومن ورائه البربر وبين المهدي في قرطبة.

بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث غريب

وجد سليمان بن الحكم ومن معه من البربر أن قوتهم ضعيفة ولن تقوى على مجابهة قوات المهدي، فقاموا بعمل لم يُعهد من قبل في بلاد الأندلس، فاستعانوا بملك قشتالة.

كانت مملكة قشتالة هذه هي أحد جزئي مملكة ليون في الشمال الغربي بعد أن كان قد نشب فيها مملكة ليون حرب داخلية وانقسمت على نفسها في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة من الهجرة إلى قسمين، فكان منها قسم غربي وهو مملكة ليون نفسها، وقسم شرقي وهي مملكة قشتالة، وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستولّة، أو castle وتعني قلعة باللغة الإسبانية، فحرفت في العربية إلى قشتالة، وكانت قد بدأت تكبر نسبيا في أول عهد ملوك الطوائف فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي.

وبين المهدي من ناحية وسليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى دارت موقعة كبيرة، هُزم فيها المهدي أو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وتولى سليمان بن الحكم مقاليد الحكم في بلاد الأندلس، وبالطبع كانت فرصة من السماء لملك قشتالة لضرب الأندلسيين بعضهم ببعض ووضع قاعدة لجيشه وجنده في أرض الأندلس، تلك البلاد التي لطالما دفعت الجزية كثيرا لملسلمين من قبل.

وفي فترة مدتها اثنتان وعشرون سنة يتولى حكم المسلمين في الأندلس ثلاثة عشر خليفة متتاليين، بدأت هذه الفترة بهشام بن الحكم في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ثم المهدي، ثم سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الذي تولى الحكم ولقب نفسه بالمستعين بالله وكان قد استعان بملك قشتالة وذلك في سنة أربعمائة من الهجرة.

بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث أغرب

وتدور الأحداث بعد ذلك، حيث يفر المهدي الذي انهزم أمام سليمان بن الحكم أو المستعين بالله إلى الشمال حيث طرطوشة، وفي طرطوشة وحتى يرجع إلى الحُكم الذي انتزعه منه سليمان بن الحكم والذي لم يبق فيه غير شهور قليلية فكر المهدي في أن يتعاون مع أحد أولاد بني عامر، ذلكم الذين كان منذ قليل يذبّح فيهم جميعا.

كان المهدي قد قابل في طرطوشة رجلا من قبيلة بني عامر يدعى الفتى واضح، والذي أقنع المهدي بأنه سيتعاون معه ليعيده إلى الملك من جديد ويبقى هو على الوزارة كما كان عهد الدولة العامرية من قبل، الأمر الذي وافق قبولا لدى المهدي، فقبل عرض الفتى واضح وبدأ يتعاونان سويا لتنفيذ مخططهما ذلك.

في بداية الأمر وجد الفتى واضح والمهدي أنهما لن يستطيعا أن يصمدا أمام قوة كبيرة مثل التي يملكها سليمان بن الحكم والبربر ومعهما ملك قشتالة، فهداهما تفكيرهما في الاستعانه بأمير برشلونة، وبرشلونة هذه كانت ضمن مملكة أراجون التي تقع في الشمال الشرقي للأندلس، والتي كان يدفع حاكمها الجزية لعبد الرحمن الناصر ولابنه وأيضا للحاجب المنصور، فلما حدثت هذه الهزة في بلاد المسلمين انخلعت من هذه العباءة، وقامت من جديد، فكان أن استعان بجيشها المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة.

وافق أمير برشلونة على أن يساعدهم لكن على شروط هي


أولا مائة دينار ذهبية له عن كل يوم في القتال.

ثانيا دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال، وقد تطوع الكثير لحرب المسلمين، فكان عدد الجيش كبيرا.

ثالثا أخذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر جيش برشلونة مع المهدي والفتى واضح.

رابعا أخذ مدينة سالم، وكانت مدينة سالم قد حررها قديما عبد الرحمن الناصر في عهد الخلافة الأمويّة، وهي بلا شك شروط قبيحة ومخزية، ولا ندري كيف يوافق مسلم على مثلها؟!

لكن الذي حدث هو أنهم وافقوا على هذه الشروط، وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدا في شمال قرطبة بين المهدي محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه الفتى واضح العامري ومعهم أمير برشلونة من جهة، وسليمان بن الحكم الخليفة الملقب بالمستعين بالله ومعه البربر من جهة أخرى، انتصر فيها المهدي ومن معه، وانهزم سليمان بن الحكم وفر ومن بقي معه من البربر، وسلمت مدينة سالم لأمير برشلونة، ومثلها الغنائم، وتولى المهدي الحكم من جديد في قرطبة.

الفتى واضح وعودة هشام بن الحكم الخليفة المخلوع

ولأنه زمن فتنة، فما فتئ المهدي يصل إلى الحكم في قرطبة حتى انقلب عليه الفتى واضح ثم قتله، وبدأ هو في تولى الأمور.

كان الفتى واضح أذكى من عبد الرحمن بن المنصور، هذا الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك، فقد رفض أن يكون هو الخليفة؛ حيث اعتاد الناس أن يكون الخليفة أموي وليس عامري، ومن ثم فإذا فعل ذلك فسيضمن ألا تحدث انقلابات عليه، وأيضا يكون محل قبول لدى جميع الطوائف
.

ومن هنا فقد رأى الفتى واضح أن يُنصّب خليفة أموي ويحكم هو من ورائه، وبالفعل وجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور ويكون أفضل صورة لخليفة أموي هو هشام بن الحكم الخليفة المخلوع من قبل، هذا الذي ظل ألعوبة طيلة ثلاث وثلاثين سنة في يد محمد بن أبي عامر ثم في يد عبد الملك بن المنصور، ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور على التوالي.

ذهب الفتى واضح إلى هشام بن الحكم وعرض عليه أمر الخلافة من جديد، وأنه سيكون رجله الأول في هذه البلاد، وعلى الفور وافق هشام بن الحكم الذي كان ملقبا بالمؤيد بالله، وعاد من جديد إلى الحكم، لكن زمام الأمور كانت في يد الفتى واضح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:38 pm


سليمان بن الحكم وأعمال يتأفف من ذكرها التاريخ

كان سليمان بن الحكم لم يُقتل بعد وما زال في البلاد يدبر المكائد؛ يريد أن يعود إلى الحكم من جديد، لم يجد أمامه إلا أن يعود مرة أخرى إلى ملك قشتالة المرة الأولى كان قد ساعده على هزيمة المهدي والوصول إلى الحكم ويعرض عليه من جديد أن يكون معه ضد الفتى واضح وهشام بن الحكم حتى يصل إلى الحكم.

ولأن ملك قشتالة ذلك الخبيث كان يطمع فيما هو أكثر مما عند سليمان بن الحكم، فقد رد عليه بأن يمهله عدة أيام حتى يعطيه الجواب، وخلال هذه الأيام كان قد ذهب ملك قشتالة إلى هشام بن الحكم الحاكم في ذلك الوقت وأخبره بما كان من أمر سليمان بن الحكم منتظرا الجواب والمقابل في عدم مساعدته له لسليمان في حربه إياه، وهنا كان العجب العجاب، فما كان من هشام بن الحكم إلا أن خيّر ملك قشتالة بين عدة أمور، كان من بينها إعطائه كل الحصون الشمالية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، ذلك الخيار الذي قبله ملك قشتالة؛ فتوسعت قشتالة جدا حتى أصبحت حدودها أكبر من حدود مملكة ليون، بالرغم من أنها كانت جزءا صغيرا منفصلا عن مملكة ليون، وتوحشت بذلك البلاد النصرانية في الشمال.

وإنها لكارثة كبيرة جدا قد حلت بديار الإسلام، فقد حدثت كل هذه الأحداث من القتل والمكائد والصراعات والاستعانة بالنصارى ثم دخولهم بلاد المسلمين، كل ذلك في ثلاث سنوات فقط
.

وفي سنة ثلاث وأربعمائة من الهجرة حيث هشام بن الحَكم على الحُكم، قام سليمان بن الحكم ومن معه من البربر بعمل لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل وحتى هذه اللحظة، فقد هجموا على قرطبة وعاثوا فيها، فسادا، وقتلا، واغتصابا للنساء، ثم من جديد يتولى سليمان بن الحكم المستعين بالله الحكم في بلاد الأندلس، وطرد هشام بن الحكم من البلاد، ثم قتل بعد ذلك، وكان مقر الحكم آنذاك هو قرطبة، لكن البلاد كانت مفككة تماما، وقد فر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها.

المفاجأة الكبيرة والمثيرة حقا أن كل هذه الأحداث السابقة والمليئة بالمكائد والمؤامرات، والتي حملت الأسى والألم لكل المسلمين، كانت بين أخوين لأب واحد هو القائد المظفر الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان خطأه والذي يدركه الجميع الآن هو أنه وسد الأمر لغير أهله، واستخلف على الحُكم من لا يملك مؤهلات الحُكم، وهو هشام بن الحَكم.

البربر والانقلاب على سليمان بن الحكم وتأجج الصراعات

من سنة ثلاث وأربعمائة من الهجرة ظل سليمان بن الحكم يتولى الحكم، وكان غالبية جيشه من البربر، وفي سنة سبع وأربعمائة من الهجرة وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، وفي هذا الزمن المثخن بالصراعات والفتن فكر البربر لماذا لا نتملك نحن الأمور؟

وعلى الفور أسرعوا وكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب، ثم هجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم، بل وقتلوه، وتولى الحكم في بلاد الأندلس علي بن حمود الذي كان من البربر، وتسمى بالناصر بالله.

استقر الأمر لعلي بن حمود في قرطبة وقام بتعيين أخاه القاسم بن حمود على أشبيلية في سنة سبع وأربعمائة من الهجرة، وأصبح البربر هم الخلفاء والذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها.

لم يرتض بهذا الوضع العامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن أموي آخر وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر، ثم بايعوه على الخلافة، وقد تلقب بالمرتضي بالله.

جاء العامريون ومعهم المرتضي بالله إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب كبيرة بين العامريين وخليفتهم المرتضي بالله، والبربر وعلى رأسهم علي بن حمود، كان من أعجب ما نتج عن هذه الموقعة أن قُتل الخليفتان علي بن حمود والمرتضي بالله، لكن البربر تمكنوا من الانتصار في نهاية المعركة، وتولى حكم الأندلس منهم القاسم بن حمود الذي كان حاكما لأشبيلية من قِبَل أخيه الذي قُتل.

أحضر العامريون أمويا آخر من بني أمية، وقامت بعد ذلك صراعات كثيرة، واستمر الوضع على هذا الحال حتى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة.

انتهاء عهد الخلفاء والأمراء وتولي مجلس شورى للحكم

في محاولة لحل هذه الأزمة التي تمر بها البلاد، وفي محاولة لوقف هذه الموجة من الصراعات العارمة، اجتمع العلماء وعلية القوم من أهل الأندلس، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة من الهجرة، ووجدوا أنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور؛ فلم يعد من يأتي منهم على شاكلة من سبقوهم، فاتفقوا على عزل بني أمية تماما عن الحكم، وإقامة مجلس شورى لإدارة البلاد.

وبالفعل كونوا مجلس شورى في هذه السنة، وولوا عليه أبا الحزم بن جهور لإدارة البلاد، وكان أبو الحزم هذا من علماء القوم، كما كان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال على هذا الوضع ما يقرب من ثلاث سنوات.

لكن حقيقة الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط من بلاد الأندلس، أما بقية البلاد والأقاليم الأخرى فقد ضاعت السيطرة عليها تماما، وبدأت الأندلس بالفعل تُقسّم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف، أو عهد ملوك الطوائف.

عهد ملوك الطوائف

وهو ذلك العهد الذي قسمت فيه بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة هي كما يلي

أولا بنو عباد

وهم من أهل الأندلس الأصليين الذين كان يطلق عليهم اسم المولدين، وقد أخذوا منطقة أشبيلية.

ثانيا بنو زيري

وهم من البربر، وقد أخذوا منطقة غرناطة، وكانت أشبيلية وغرناطة في جنوب الأندلس.

ثالثا بنو جهور

وهم الذين كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، وقد أخذوا منطقة قرطبة.

رابعا بنو الأفطس

وكانوا أيضا من البربر، وقد استوطنوا غرب الأندلس، وأسسوا هناك إمارة بطليوس.

خامسا بنو ذي النون

كانوا أيضا من البربر، واستوطنوا المنطقة الشمالية والتي فيها طليطلة وما فوقها.

سادسا بنو عامر

وهم أولاد بني عامر الذي يعود أصلهم إلى اليمن، فاستوطنوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم بلنسية.

سابعا بنو هود

وهؤلاء أخذوا منطقة سرقسطة، تلك التي تقع في الشمال الشرقي.

وهكذا قسمت بلاد الأندلس إلى سبعة أقسام شبه متساوية، كل قسم يضم إما عنصرا من العناصر، أو قبيلة من البربر، أو قبيلة من العرب، أو أهل الأندلس الأصليين، بل إن كل قسم أو منطقة من هذه المناطق كانت مقسمة إلى تقسيمات أخرى داخلية، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية داخل أراضي الأندلس عامة إلى اثنتين وعشرين دويلة، وذلك رغم وجود ما يقرب من خمس وعشرين بالمائة من مساحة الأندلس في المناطق الشمالية في أيدي النصارى
.

وقد ذكرنا سابقا أن مساحة الأندلس كانت ستون ألف كيلو متر مربع، فإذا طرحنا منها ما أخذه النصارى في الشمال؛ فإن النتيجة هي أربعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع أقل من نصف مساحة مصر مقسمة إلى اثنتين وعشرين دولة، كل منها بكل مقومات الدولة المتكاملة من رئيس، وجيش، ووزارات، وعملة، وسفراء، فتفتت المسلمون في الأندلس تفتتا لم يُعهد من قبل في تاريخهم، وفقدوا بذلك عنصرا مهما جدا من عناصر قوتهم وهو الوحدة، فكان الهبوط على أشد ما يكون، ولا حول ولاقوة إلا بالله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:39 pm


بعد الوصول إلى هذه المرحلة من هذا الضعف وذاك التفتت والهوان، فهناك تعليق عام، وتحليل، واستراحة على طول طريق الأندلس منذ الفتح وحتى هذه المرحلة، نستجلي فيه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في كونه بصفة عامة، وفي الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهي سنة قيام وسقوط الأمم، وسنة الارتفاع والهبوط، تلك التي لوحظت بشكل لافت في الدولة الإسلامية خاصة.

وحقيقة الأمر أنه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، بل حتى قيام الساعة، اقتضت سنة الله في الأمم والحضارات بصفة عامة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر، فمن سنن الله أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة تتصل مباشرة بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب، فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خير وسعادة، وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والاندثار ما هي أهل له، قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران140
} .

وليست الأمة الإسلامية بمنأى عن هذه السنن الكونية، فمنذ نزول الرسالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيد عنها فيحدث ضعف فسقوط
.

وأسباب قيام الدولة الإسلامية كثيرة على نحو ما ذكرنا فيما مضى، والتي كان من أهمها


أولا الإيمان بالله سبحانه وتعالى والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته
.

ثانيا الأُخوة، والوحدة، والتجمع ونبذ الفرقة
.

ثالثا العدل بين الحاكم والمحكوم
.

رابعا العلم، ونشر الدين بين الشعوب
.

خامسا العدة، والأخذ بالأسباب [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ] {الأنفال60
} .

فإذا أخذ المسلمون بهذه الأسباب فإنهم سرعان ما يقومون، وغالب الأمر يكون القيام بطيئا ومتدرجا، وفيه كثير من الصبر والتضحية والثبات، ثم بعد ذلك يكون القيام باهرا، ثم يحدث انتشار للدولة الإسلامية بصورة ملموسة، حتى تفتح الدنيا على المسلمين، وهنا يصبر القليل ويقع في الفتنة الكثير
.

إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ
.

ومن جديد يحدث الضعف فالسقوط، وعلى قدر الفتنة بالمادة والمدنية يكون الارتفاع والانحدار، والسقوط والانهيار
.

وأمر الفتنة هذه هو الذي فقهه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة سبع عشرة من الهجرة، حين أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرر كثيرا في تاريخ المسلمين إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم
.

خاف عمر رضي الله عنه أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يحوذوا الدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة لا أن يُدخله بلاد فارس، فإذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة فلتقف الفتوح، ووددت لو أن بيني وبين فارس جبل من نار، لا أقربهم ولا يقربوني
. ولم يعد رضي الله عنه إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع.

ودون بقية الأمم فإن الأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائما في قيام، فإذا سقطت أتبع السقوط قيام، وإذا سقطت أتبع السقوط قيام وهكذا، أما ألا يتبع السقوط قيام فهذا ليس من سنن الله مع المسلمين، ولا يحدث إلا مع أمم الأرض الأخرى غير الإسلامية، تلك الأمم التي يغلب عليها سقوط واندثار لا يتبعه رجعة، حتى وإن طال أجل القيام والازدهار
.

وحضارة الفراعنة، واليونان، وامبراطوريتي فارس والروم، وامبراطورية إنجلترا التي لا تغرب عنها الشمس، كل ذلك خير دليل ومعين، وهذه السُّنة الكونية يمثلها قوله تعالى

[كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة21
} .

[وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {النور55
} .

ومما يُثبت سنة الله هذه في الدولة الإسلامية ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه وصححه الحاكم ورواه في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. فمعنى هذا أنه سيحدث سقوط، ومن بعد السقوط ارتفاع وعلو، وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدد أو مجموعة مجددين، وهكذا إلى قيام الساعة.

والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الفترات، ففيه الكثير من أحداث الارتفاع والهبوط ثم الارتفاع والهبوط، ولم يكن هذا خاصا بتاريخ الأندلس فقط؛ بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا ذلك بأعينهم، فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم مباشرة حدث سقوط ذريع وانهيار مروع، وردّة في كل أطراف جزيرة العرب التي لم يبق منها على الإسلام سوى مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هجر (هي الآن في البحرين
).

ومن بعد ذلك السقوط يحدث قيام عظيم وفتوحات وانتصارات، كان قد جدد أمرها وغرس بذرتها أبو بكر رضي الله عنه بعد أن أجهض على الردة، ثم فتحت الدنيا على المسلمين في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه فحدثت الفتنة والانكسارات في الأمة الإسلامية، أدت إلى مقتله رضي الله عنه وظلت طيلة خلافة سيدنا علي رضي الله عنه
.

ومن جديد يستتب الأمر وتقوم الدولة الأموية وتستكمل الفتوح، ثم فترة من الزمان ويحدث سقوط آخر حين يفسد أمر بني أمية، وعلى إثره يقوم بني العباس فيعيدون من جديد المجد والعز للإسلام، وكالعادة يحدث الضعف ثم السقوط، وعلى هذا الأمر كانت كل الدول الإسلامية الأخرى التي جاءت من بعدها، مرورا بالدولة الأيوبية وانتهاءا بالخلافة العثمانية الراشدة التي فتحت كل شرق أوروبا، وكانت أكبر قوة في زمنها
.

فهي إذن سنة من سنن الله تعالى ولا يجب أن تفُتّ في عضض المسلمين، ولا بد للمسلمين من قيام بعد سقوط كما كان لهم سقوط بعد قيام، وكما ذكرنا سابقا فإنه ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين أحد من البشر نسبا
.

يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
.

فإن ضل المسلمون الطريق وخالفوا نهج نبيهم؛ فستكون الهزيمة لا محالة، وسيكون الانهيار المروع الذي شاهدناه في الأندلس، والذي نشهده في كل عهود المسلمين
.

المرحلة التي يعيشها المسلمون الآن وتصنيفها

قد يتساءل المرء ما هو تصنيفنا كمسلمين في هذا العصر وفقا للمراحل السابقة ما بين الارتفاع والهبوط أو القيام والسقوط؟

وواقع الأمر وكما هو واضح للعيان أن الأمة الإسلامية تمر الآن بمرحلة من مراحل السقوط، سقوط كبير وضعف وفرقة للمسلمين، سقوط مباشر لسقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي، وهو أمر طبيعي ودورة عادية من دورات التاريخ الإسلامي، وسنة من سنن الله كما رأينا
.

إلا أن مرحلة السقوط الأخيرة هذه قد شابها أمران لم تعهدهما الدولة الإسلامية ولم يتكررا من قبل في مراحل سقوطها المختلفة، الأمر الأول وهو
غياب الخلافة، إذ إنه ولأول مرة في التاريخ يصبح المسلمون بلا دولة واحدة تجمعهم، فرغم ما كان وما يكون من السقوط والانهيار على مدى فترات الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية، إلا أنه لم تكن لتغيب صورة الخلافة عن الأذهان بحال من الأحوال، منذ الدولة الأموية في القرن الأول الهجري وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث كان الإسلام سياسيا (دين ودولة) طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان.

الأمر الثاني وهو غياب الشرع الإسلامي، فلم يكن أيضا في أي من عصور السقوط السابقة للدول الإسلامية، مع ما يصل المسلمون إليه من تدنٍ وانحدار لم يكن أبدا يُلغى الشرع أو يغيب، نعم قد يُتجاوز أحيانا في تطبيق بعض أجزائه، لكن لم يظهر على الإطلاق دعوة تنادي بتنحية الشرع جانبا، وتطبيق غيره من قوانين البشر مما هو أنسب وأكثر مرونة على حسب رؤيتهم
.

وإن مثل هذين العاملين ليجعلان من مهمة الإصلاح والتغيير أمرا من الصعوبة بمكان، ورغم ذلك فإنه وكما وضحنا ليس بمستحيل؛ لأن المستحيل هنا هو التعارض مع سنن الله سبحانه وتعالى التي تقول بأن دولة الإسلام في قيام حتى قيام الساعة
.

وهناك من المبشرات نحو قيام الدولة الإسلامية الآن الكثير والكثير، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية سنة أربع وعشرين وتسعمائة وألف كان قد حدث انحدار كبير ولا شك في معظم أقطار العالم الإسلامي إن لم يكن كله (بعد سقوط الخلافة العثمانية أقيمت الدول العربية عدا السعودية على أساس علماني شبيه بالدول الغربية)، وظل هذا الوضع حتى أوائل السبعينيات، ثم كانت الهزة والصحوة في كل أطراف الأمة الإسلامية في منتصف السبعينيات وإلى يومنا هذا
.

ونظرة واحدة إلى أعداد المصلين في المساجد خاصة الشباب، وأعداد المحجبات في الشوارع في كل أطراف العالم الإسلامي، وانتشار المراكز الإسلامية في كل بلاد أوروبا وفي أمريكا، والصحوة الجهادية في البلاد المحتلة مثل فلسطين والعراق والشيشان وغيرها، وحال الإسلام في جمهوريات روسيا السابقة بعد احتلال نصراني وشيوعي دام لأكثر من ثلاثمائة عام نظرة واحدة إلى مثل هذه الأمور وغيرها الكثير يبشر بالقيام
.

وهو ولا شك قيام ينحو الخطى البطيئة المتدرجة لكنه لا ينفي العلو والانتشار المرجو منه، وهذه أخرى سنة من سنن الله عز وجل فلا يجب أن يُستعجل التمكين، ولنا فيما مضى من تاريخ الأندلس، وفي التاريخ الإسلامي بصفة عامة، ومنذ أن أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من عشر سنين الدولة الإسلامية التي ناطحت أكبر قوتين في زمنهما، وكان قد أوذي وطرد وهو وأصحابه من بلدهم، منذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الخلافة العثمانية لنا خير دليل ومعين

[فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر43
} .

عودة إلى عهد ملوك الطوائف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:41 pm


ذكرنا سابقا أنه بعد موت عبد الرحمن بن المنصور العامري، الحاجب الذي كان يتولى الحجابة على هشام بن الحكم الخليفة الصورة، حدث انهيار مروع وانفرط العقد تماما في أرض الأندلس، وقسمت البلاد إلى اثنتين وعشرين دويلة، رغم تآكل مساحة الأندلس عليهم من قِبل النصارى في الشمال.

وإذا نظرنا إلى واقع هذه الدويلات وواقع هذا التفتت وتلك الفرقة نجد الملامح التالية

أولا تلقب كل حاكم ممن حكموا هذه الدويلات بلقب أمير المؤمنين، ليس فقط أمير مدينة ولكنه أمير المؤمنين، وكأنه يستحق أن يكون أمير المؤمنين في الأرض.

فكان الرجل في هذا الوقت يسير مسيرة اليوم والليلة فيمر على ثلاثة من أمراء المؤمنين؛ لأن كل دويلة من هده الدويلات كانت مساحتها صغيرة جدا لا تتجاوز مساحة محافظة من المحافظات في أي دولة الآن، وكان لكل دويلة أمير وجيش خاص بها، وسياج من حولها وسفراء وأعلام، وهي لا تملك من مقومات الدولة شيء.

وليت بعد هذه المأساة وهذا التفتت أن يظل كل (أمير) في منطقته ولا يطمع في أرض أخيه المجاورة له، إلا أنه ورغم هذا فقد بدأ كل منهم بافتعال الصراعات بسبب الحدود، وأصبحت المدن الإسلامية وحواضر الإسلام في الأندلس وللأسف تحارب بعضها بعضا، فهذه قرطبة تتصارع مع أشبيلية، وهذه بلنسية تتصارع وسراقسطة، وعلى هذا الوضع ظل الصراع بين المالك الإسلامية في هذه الفترة
.

وإنه لأمر يدعو إلى الدهشة ويجعل المرء ليتساءل إذا كان هذا الأمير الذي يحارب أخاه شريرا، ورجلا خارجا عن القانون، وبعيدا عن تعليم الشرع، ويحارب من أجل الدنيا، فأين شعب هذا الأمير؟! أين الجيش الذي هو من عامة الشعب؟! وكيف زُيّن للشعوب أن يحاربوا إخوانهم؟!

وفي محاولة لتحليل ذلك الوضع نقول قد كان هناك أمور مخجلة في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت، فهاك الإعلام السائد في هذه الفترة وهو الشعر الذي يمجد فيه الشعراءُ القادة أو الأمراء، ويصورونهم وكأنهم أنصاف آلهة، فهم أهل الحكمة والتشريع، وأهل العظمة والبأس، وأهل النخوة والنجدة، وهم (الأمراء) أهل الإنجازات الضخمة والأموال العظيمة، فيفتن الناس والشعوب بمثل هذه الصفات وهذا العلو في الأرض فيتبعونهم فيما يقولون [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] {الزُّخرف54} .

وهناك أيضا تحكُّم وضغط شديدين من قِبل الجيوش التي تتبع الحكام على الشعوب، فكانوا يحكمونهم بالحديد والنار؛ فلا يستطيعون أن ينبثوا بمخالفة أو اعتراض أمام الطواغيت.

وبالإضافة إلى هذا فقد ظهر أيضا في هذه الفترة الفتاوى الخاصة والتي تصرح لهؤلاء الأمراء بفعل ما يحلو لهم، ففتوى تصرح لقرطبة غزو أشبيلية، وأخرى تصرح لأشبيلية غزو بطليوس، وثالثة تصرح لبطليوس غزو ما حولها.

ثانيا كان هناك أيضا كارثة محققة وجريمة كبرى اقترفها أمراء بعض هذه الدويلات، وظلت ملمحا رئيسيا في هذه الفترة، وهي استجداء النصارى والاستقواء بهم، فقد كانت كل دويلة ذات جيش لكنه جيش ضعيف البنية قليل السلاح، ومن ثم فلا بد لهم من معين يستقوون به في حربهم ضد إخوانهم، فتزلفوا إلى النصارى في شمال الأندلس يتخذونهم أولياء ونصراء على إخوانهم، فمنهم من توجه إلى أمير قشتالة، ومنهم من توجه إلى أمير أراجون، وأيضا إلى أمير ليون.

هذه الممالك النصرانية التي لم تكن لتكوّن أكثر من خمس وعشرين بالمائة فقط من أرض الأندلس، وهي التي كانت تدفع الجزية إلى عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر ومن بعده الحاجب المنصور
.

ثالثا وأشد وأنكى مما سبق فقد بدأ أمراء المؤمنين في هذه الفترة يدفعون الجزية للنصارى، فكانوا يدفعون الجزية لألفونسو السادس حاكم إمارة قشتالة، تلك التي توسعت على حساب المسلمين في هذا العهد (عهد ملوك الطوائف) وضمت إليها أيضا مملكة ليون، فأصبحت قشتالة وليون مملكة واحدة تحت زعامة ألفونسو السادس أكبر الحكام النصارى في ذلك الوقت.

فكان أمراء المؤمنين يدفعون الجزية حتى يحفظ لهم ألفونسو السادس أماكنهم وبقاءهم على الحكم في بلادهم، كانوا يدفعون له الجزية وهو يسبهم في وجوههم فما يزيدون على قول ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا على أن تحافظ لنا على مكاننا في هذه البلاد حاكمين.

وكأن قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] {المائدة51 ،52}. كأنه قد نزل في أهل الأندلس في ذلك الوقت؛ حيث يتعللون ويتأولون في مودة وموالاة النصارى بالخوف من دائرة تدور عليهم من قبل إخوانهم.

وهنا يعلق سبحانه وتعالى بقوله [فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ] {المائدة52} .

وهو بعينه ذلك الذي سيحدث في نهاية هذا العهد كما سنرى حين يكون النصر فيُسرّ هؤلاء في أنفسهم ما كان منهم من موالاة النصارى في الظاهر والباطن، ويندمون حين يفضحهم الله ويظهر أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، وذلك بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم.

وإنها لعبرة وعظة يصورها القرآن الكريم منهج ودستور الأمة في كل زمان ومكان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {المائدة57} .

صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات

أولا أنفة وعزة في زمن عز أن تشم رائحتهما

كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجلا واحدا كان يملك عزة وأنفا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو المتوكل بن الأفطس أمير مملكة بطليوس.

فرغم ذلك الجو المفعم بالذل والخزي، ورغم أن مملكته كانت صغيرة جدا، إلا إن المتوكل بن الأفطس لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتز بإسلامه ولم يقبل الذل كغيره من أبناء جلدته.

وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ المتوكل بن الأفطس أنه أرسل له ردا عجيبا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم قارئيه أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزة فلا محالة هي كائنة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته

وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين
.

أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك نافار جد ألفونسو السادس قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا.

ويضيف المتوكل بن الأفطس قائلا أما نحن إن قلّت أعدادنا وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت.

ما كان من ألفونسو السادس إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا بطليوس، لم يتجرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعز الإسلامُ ورفع من شأن المتوكل بن الأفطس ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:43 pm



ثانيا ضعف وخور وذل وهوان

لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس، ونحن لسنا في معرض الخوض في تفاصيل باقي الدويلات الاثنتين والعشرين؛ إذ هي موجودة في كتب التاريخ، ولكن نعرض لبعض الصور من باقي هذه الدويلات، تكفي لتصور الوضع في هذه الفترة، ومدى التدني الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس آنذاك.

والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في سرقسطة التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم سرقسطة المنية أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف.

يموت الأب وتمر الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم.

لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همه أن يظل ملكا على دويلته، وملكه لا بد وأن يعود إلى حوزته.

مأساة بربشتر

جاء النصارى بالفعل ودخلوا البلاد، وفي مملكة سرقسطة أحدثوا من المآسي ما يند له الجبين، ومن أشهر أفعالهم فيها ما عرف في التاريخ بمأساة بربشتر.

دخل النصارى على بربشتر البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه قد اغتصبه منه، بدأ الأمر بالحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وظل مداه طيلة أربعين يوما كاملة، والمسلمون في الداخل يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس، ولكن لا حراك، فالقلوب تمتلئ رهبة من النصارى، وأمراء المسلمين يعتقدون بأنهم ليس لهم طاقة بحربهم أو الدفاع عن إخوانهم ضدهم، وفكروا بأن يستعينوا بدولة أخرى غير تلك الدولة الصديقة المعتدية، وظلوا الأربعين يوما يتفاوضون ويتناقشون حتى فتح النصارى بربشتر.

ما إن دخل النصارى بربشتر، وفي اليوم الأول من دخولهم قتلوا من المسلمين أربعين ألفا، (من رواية ياقوت الحموي، وهناك رواية أخرى تزيدهم إلى مائة ألف) وسبوا سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة (أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة) وأعطين هدية لملك القسطنطينية، وأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب؛ إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها وعلى الثيًب أمام زوجها، والمسلمون في غمرة ساهون.

ومثل هذه الصورة لا نعدمها عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد، وليس ببعيد عنا ما قام به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك، حيث اغتصاب لخمسين ألف فتاة وقتل لمائتي وخمسين ألف مسلم، غير ما حدث في كشمير وكوسوفا، وما يقومون به اليوم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة.

مأساة بلنسيه

ومثلها أيضا كانت مأساة بلنسيه في سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، حيث قتل ستون ألف مسلم في هجوم للنصارى عليها. ولا أحد يتحرك من المسلمين.

ثالثا غنى فاحش وأموال في غير مكانها

رغم ما كان من صور الضعف والمآسي السابقة وأمثالها الكثير والكثير إلا إن أمراء المسلمين كانوا لاهين غير عابئين بما يدور حولهم، فقد كانوا يملكون من المال الكثير، والذي شغلهم بدنياهم عن دينهم، ومما جاء في ذلك أن زوجة حاكم أشبيلية المعتمد على الله بن عباد كانت تقف ذات مرة في شرفة قصرها فشاهدت الجواري وهن يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت نفسها أن تفعل مثلهن وتلعب في الطين.

ما كان من حاكم أشبيلية (المعتمد على الله) إلا أن صنع لها طينا خاصا لها، فاشترى كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد، وخلطها وجعلها طينا خاصا بالملوك، حتى وإن كان من أموال المسلمين، لعبت زوجة الملك بهذا الطين ثم سأمت منه، ومرت الأيام وضاع ملك المعتمد على الله، وحدث شجار مع زوجته تلك في أحد الأيام فقالت له كعادة من يكفرن العشير ما رأيت منك من خير قط، فرد عليها واثقا ولا يوم الطين؟! فسكتت واستحيت خجلا من الأموال (أموال المسلمين) التي أنفقت عليها في لُعبة كانت قد اشتهتها.

ورغم ذلك فقد كان هناك الشعر الذي يصف المعتمد على الله بن عباد بكل صفات العزة والكرامة والعظمة والمجد والبأس، وغيرها مما هو مخالف للواقع، وبما يعكس صورة الإعلام المقلوبة في ذلك الوقت.

رابعا مصلحون ولكن

كسنة من سنن الله أيضا في المسلمين فإن أعمال الخير والدعوات الإصلاحية لم تعدم ولن تعدم إلى قيام الساعة برغم ما يحدث مما هو في عكس طريقها؛ فقد كانت هناك محاولات إصلاحية في هذا العهد، وأخرى تبدي عدم موافقتها لهذا الوضع المزري في البلاد، لكنها كانت دعوات مكبوتة، لم تستطع أن ترى النور، يقول أحد الشعراء واصفا هذه الفترة

مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ ، أَلْقَابُ مُعْتَضِدٍ فِيهَا وَمُعْتَمِدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، كَالهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَُورَةَ الْأَسَدِ

فقد كان في كل بلد من بلاد الأندلس قادر بالله ومعتمد على الله ومعتضد بالله ومعتصم بالله ومستكفٍ بالله ومؤيد بالله، وكلهم يدفعون الجزية لألفونسو السادس بما فيهم حاكم أشبيلية (المعتمد على الله) والتي تقع في أقصى الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، والتي تبعد كثيرا جدا عن مملكة قشتالة.

كان من المصلحين في هذا العهد الفقيه الإسلامي المشهور ابن حزم، وأيضا ابن عبد البر، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم الكثير من أبناء الأندلس نفسها، والحق أنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يُخرجوا الشعوب من هذا الموقف الحرج، ويجمّعوا الناس ويوحدوا الصفوف، لكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشرين دولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط
.

فمن الممكن الاتفاق على مبدأ الوحدة والتجمع، لكن العقبة عند الأمراء كانت تكمن فيمن سيكون الرئيس الأوحد، هل هو حاكم قرطبة أم هو حاكم أشبيلية، أم هو كل من يرى نفسه الأولى والأجدر؟!

فإن كان الظاهر هو الاتفاق لكن الباطن أو الأصل وهو الغالب رفض الوحدة والاتفاق، حتى في وجود مثل هؤلاء الأفاضل من علماء المسلمين؛ ففرطوا في واحدة من أعظم نعم الله تعالى على المسلمين، يقول تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] {آل عمران103} .

تلك النعمة التي حذر من التهاون فيها سبحانه وتعالى فقال [وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] {الأنفال46} وقال أيضا [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {آل عمران105} .

وإنها لأسئلة يوجهها لسان الحال إلى هؤلاء الأمراء المنقسمين على أنفسهم أما سمعتم عن عزة الإسلام والمسلمين زمن عبد الرحمن الناصر في الدولة الإسلامية الموحدة، وكيف كانت؟! لماذا تفرطون في مثل هذه العزة في الدنيا وذاك الثواب العظيم في الآخرة؟! أمن أجل أيام معدودات على مدينة من مدن المسلمين تحكمونها؟! أم من أجل الاستكبار وعدم الرغبة في أن تكونوا تحت إمرة رجل واحد من المسلمين؟! أم من أجل التزلف والاستعباد لملك من ملوك النصارى؟!

سقوط طليطلة.. والبقية تأتي


ما زلنا في عهد ملوك الطوائف وقد تصاعدت المأساة كثيرا في بلاد الأندلس، ففي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة تسقط طليطلة، يسقط الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس، المدينة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله، طليطلة التي فتحها طارق بن زياد بستة آلاف، فتحها بالرعب قبل مسيرة شهر منها، طليطلة الثغر الذي كان يستقبل فيه عبد الرحمن الناصر الجزية من بلاد النصارى، ومنه كان ينطلق هو ومن تبعه من الحكام الأتقياء لفتح بلادهم في الشمال، طليطلة المدينة العظيمة الحصينة التي تحوطها الجبال من كل النواحي عدا الناحية الجنوبية.

وكان قد سبق سقوط طليطلة استقبالٌ لملك من ملوك النصارى مدة تسعة أشهر كاملة، حيث كان قد فر هاربا من جراء خلاف حدث معه في بلاد النصارى، ومن ثم فقد لجأ إلى (صديقه) المقتدر بالله حاكم طليطلة، والذي قام بدوره (حاكم طليطلة) في ضيافته على أكمل وجه، فأخذ يتجول به في كل أنحاء البلد، في كل الحصون وكل المداخل، وعلى الأنهار الداخلة لمدينة طليطلة.

وحين عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكما كان أول خطوة خطاها هي الهجوم على طليطله، فقام بفتحها وضمها إلى بلاده، وقد كان معاونا وصديقا قبل ذلك، فكان كما أخبر سبحانه وتعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة1} .

فضَلّ المقتدر بالله سواء السبيل، وأسرّ لملك النصارى بأسرارها، فسقطت طليطلة.

وبسقوط طليطلة اهتز العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وحدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، وفي تصوير بارع لهذا الإحباط نرى ابن عسال أحد الشعراء المعاصرين لهذا السقوط يقول

شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ ، فَمَا الْمَقَامُ فِيهَا إِلَّا مِنَ الْغَلَطِ

الثَّوْبُ يَنْسَلُّ مِنْ أَطْرَافِهِ ، وَأَرَى ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولًا مِنَ الْوَسَطِ

مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ ، كَيْفَ الْحَيَاةُ مَعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ

وهي صورة عجيبة ينقلها ذلك الشاعر (إعلام ذلك الوقت) المحبط، حتى لكأنه يدعو أهل الأندلس جميعا بكل طوائفه ودويلاته إلى الهجرة والرحيل إلى بلاد أخرى غير الأندلس؛ لأن الأصل الآن هو الرحيل، أما الدفاع أو مجرد المكوث فهو ضرب من الباطل أو هو (الغلط) بعينه، ولقد سانده وعضد موقفه هذا أن من الطبيعي إذا ما انسلت حبة من العقد مثلا فإن الباقي لا محالة مفروط، فما البال وما الخطب إذا كان ما انسل هو الأوسط وهي طليطلة أوسط بلاد الأندلس، فذاك أمر ليس بالهزل، بل وكيف يعيشون بجوار هؤلاء (الحيات) إن هم رضوا لهم بالبقاء؟! فما من طريق إلا الفرار وشد الرحال.

حصار أشبيلية
.

مع هذا الحدث السابق المؤسف تزامن حصار أشبيلية، وإن تعجب فعجب لماذا تُحاصر أشبيلية وحاكمها يدفع الجزية لألفونسو السادس، وهي أيضا بعيدة كل البعد عن مملكة قشتالة، حيث تقع في الجنوب الغربي من الأندلس؟!

وإن العجب ليكمن خلف قصة هذا الحصار، حيث أرسل ألفونسو السادس حاكم قشتالة وزيرا يهوديا على رأس وفد إلى أشبيلية لأخذ الجزية كالمعتاد، فذهب الوفد إلى المعتمد على الله بن عباد وحين أخرج له الجزية كما كل مرة وجد الوزير اليهودي يقول له متبجحا إن لي طلبا آخر غير الجزية، فتساءل (المعتمد على الله) عن هذا الطلب، وفي صلف وغرور وإساءة أدب أجابه الوزير اليهودي بقوله إن زوجة ألفونسو السادس ستضع قريبا، وألفونسو السادس يريد منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة.

تعجب المعتمد على الله وسأله عن هذا الطلب الغريب الذي لم يتعوده، فقال له الوزير اليهودي في رد يمثل قمة في التحدي ولا يقل إساءة وتبجحا عن سابقه لقد قال قساوسة قشتالة لألفونسو السادس إنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم.

وكعادة النفوس التي قد بقي بها شيء من عوالق الفطرة السوية أخذت الغيرة المعتمد على الله، فرفض هذا الطلب المزري ووافق على دفع الجزية فقط، وبطبيعته فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أساء الأدب وسبه في حضرة وزرائه.

وبنخوة كانت مفقودة قام المعتمد على الله وأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه، ثم اعتقل بقية الوفد، ثم أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس مفادها أنه لن يدفع الجزية ولن يحدث أن تلد زوجتك في مسجد قرطبة.

جن جنون ألفونسو السادس، وعلى الفور جمع جيشه وأتى بحده وحديده، فأحرق كل القرى حول حصن أشبيلية الكبير، وحاصر البلاد، وطال الحصار فأرسل إلى المعتمد على الله إن لم تفتح سأستأصل خبركم.

طاول المعتمد على الله في التحصن خوفا من نتيجة فك هذا الحصار، وفي محاولة لبث الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين والفت في عضدهم أرسل ألفونسو السادس رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول فيها إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل.

يريد وبكل كبرياء وغرور أن أكثر ما يضايقه في هذا الحصار هو الذباب أو البعوض، أما أنت وجيشك وأمتك وحصونك فهي أهون عندي منه.

وبنخوة أخرى وفي رد فعل طبيعي أخذ المعتمد على الله بن عباد الرسالة وقلبها وكتب على ظهرها ردا وأرسله إلى ألفونسو السادس، لم يكن هذا الرد طويلا، إنما هو لا يكاد يتعدى السطر الواحد فقط، وما إن قرأه ألفونسو السادس حتى أخذ جيشه، وعاد من حيث أتى
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:44 pm


دولة المرابطين
مقدمة
في بداية لعهد جديد في الأندلس ودورة أخرى من دورات التاريخ بعد هذا الضعف وذاك السقوط، كانت رسالة المعتمد على الله إلى ألفونسو السادس - والذي بمجرد قراءتها أخذ جيشه وعاد إلى قشتالة - هي مهد ذلك العهد وبداية لتلك الدورة الجديدة
.

فحين أرسل ألفونسو السادس رسالته المهينة إلى المعتمد على الله بن عباد يطلب منه متهكما مروحة يروّح بها عن نفسه، أخذها المعتمد على الله وقلبها ثم كتب على ظهرها والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين
.

لم يكن أمام المعتمد على الله غير أسلوب التهديد هذا، فقط لوح بالاستعانة بالمرابطين، وقد كان ألفونسو السادس يعلم جيدا من هم المرابطون، فهو مطّلع على أحوال العالم الخارجي، فما كان منه إلا أن أخذ جيشه وانصرف
.

فتُرى من هم المرابطون الذين كان لمجرد ذكرهم كل هذا الأثر؟ إنهم أبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تملكت كل مقومات القوة، تربعت على المغرب العربي وما تحته، وقبل أن نتحدث عن دولتهم تلك نتعرف أولا على أحوال بلاد الأندلس بعد حصار أشبيلية؛ حتى نعي الوضع جيدا قبل بداية عهدهم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:45 pm


الأندلس بعد حصار أشبيلية
في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة - كما ذكرنا - كانت قد سقطت طليطلة، وللملاحظة فمنذ سقوطها في ذلك التاريخ لم تعد للمسلمين حتى الآن، ثم حوصرت أشبيلية مع أنها تقع في الجنوب الغربي للأندلس وبعيدة جدا عن مملكة قشتالة النصرانية التي تقع في الشمال، وكاد المعتمد على الله بن عباد أن يحدث معه مثلما حدث مع بربشتر أو بلنسية لولا أن مَنّ الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين.

وحيال ذلك فكر أمراء المؤمنين في الأندلس في تلك الكارثة التي حلت بدارهم، وكانوا يعلمون أنه إن عاجلا أو آجلا ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طليطلة واسطة العقد قد سقطت فمن المؤكد أن تسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وأشبيلية والكثير من حواضر الإسلام في الأندلس، فاتفقوا على عقد مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وكان أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي موحد تجاه هذا الوضع
.

كان أول قرارات ذلك المؤتمر هو التنديد بشدة بالاحتلال القشتالي لطليطلة، فقشتالة دولة صديقة كيف تقدم على هذا الفعل غير العادي، لا بد أن تُشتكى قشتالة لدولة محايدة من دول المنطقة، حتى لا نكون محاربين لدولة صديقة
.

ولأن الخير لا يُعدم أبدا في كل مكان وزمان، فقد اجتمع الأمراء ومعهم العلماء، وكان العلماء يفهمون حقيقة الموقف ويعرفون الحل الأمثل له فأشاروا بالجهاد، وهم يعلمون أن في التاريخ ما يثبت أن المسلمين إذا ما ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله كان النصر حتما لهم حتى وإن كانوا قلة،

قوبل هذا الرأي بالرفض تماما، ورُدّ عليه بأنهم يريدون وقف نزيف الدماء، أهم ما في الأمر أن نوقف الحرب ونحاول حل الموقف بشيء من السلام مع قشتالة، نجلس مع ألفونسو السادس على مائدة المفاوضات، فلربما تكون في نيته فرصة في أن يترك طليطلة، أو حتى يأخذ جزءا منها ويترك الباقي، ثم نعيش جنبا إلى جنب في سلام وأمان، وهذه كانت إشارات مترجمة لحال الأمراء والرافضين لحل العلماء السابق
.

رأى العلماء استحالة الجهاد، حيث الذل والهوان قد استبد بالناس فألفوه، وظلوا لأكثر من سبعين سنة يدفعون الجزية ولا يتحرجون، فمن الصعب أن يدَعوا الدنيا ويحملوا السلاح ويجاهدوا في سبيل الله، فأشاروا (العلماء) عليهم برأي آخر يستبعد الجهاد وهو أرسلوا إلى دولة المرابطين، اطلبوا منها أن تأتي وتقاوم النصارى وتهاجمهم في موقعة فاصلة تبعدهم بها عن أرضنا
.

ورغم عقلانية هذا الرأي إلا أن الأمراء لم يقبلوا به أيضا؛ خوفا من أن تسيطر دولة المرابطين القوية على أرض الأندلس بعد أن تهزم النصارى، وبعد جدال طويل فيما بينهم أنعم الله سبحانه وتعالى على رجل منهم وهو المعتمد على الله بن عباد، والذي منذ قليل كان قد لوح باسم المرابطين ففك ألفونسو السادس الحصار عنه، فلم يجد مانعا يمنعه - إذن - من الاستعانة بهم بالفعل، فقام وخطب في الحضور خطبة لم تكن على هوى غالب الحضور، جاء في نهايتها

، ولا أحب أن أُلعن على منابر المسلمين، ولأن أرعى الإبل في صحراء المغرب (مركز المرابطين) خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا.

زلزل هذا الخطاب قلوب البعض وحرك فيهم مكامن النخوة، فقام المتوكل بن الأفطس، وهو الرجل الوحيد الذي لم يدفع الجزية طيلة حياته - كما ذكرنا ورأينا رسالته في ذلك - قام ووافق المعتمد على الله على هذا الأمر، ومن بعده قام عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ووافقه أيضا، فأصبحت غرناطة وأشبيلية وبطليوس الثلاث حواضر الإسلامية الضخمة متفقة على الاستعانة بالمرابطين، على حين رفض الباقون
.

وفور موافقتهم جعلوا منهم وفدا عظيما مهيبا، يضم العلماء والوزراء، ليذهب إلى بلاد المغرب العربي، ويطلب العون من زعيم المرابطين لينقذهم من النصارى المتربصين. وهنا وقفة مع المرابطين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:46 pm


المرابطون
قبيلة جُدالة وأصل المرابطين
كان التاريخ هو سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة، حيث سقطت طليطلة، وحوصرت أشبيلية، وعقد مؤتمر القمة، ومن هذا التاريخ نعود إلى الوراء ثمانية وثلاثين عاما، وبالتحديد في سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، حيث أحداث بربشتر وبلنسية السابقة، لنكون مع بداية تاريخ المرابطين.

وكما غوّرنا في أعماق التاريخ، نعود ونغور في أعماق صحراء موريتانيا البلد الإسلامي الكبير، وبالتحديد في الجنوب القاحل، حيث الصحراء الممتدة، والجدب المقفر، والحر والقيظ الشديد، وحيث أناس لا يتقنون الزراعة ويعيشون على البداوة.

في هذه المناطق كانت تعيش قبائل البربر، ومن قبائل البربر الكبيرة كانت قبيلة صنهاجة، وكانت قبيلتي جدالة ولمتونة أكبر فرعين في صنهاجة،

كانت جدالة تقطن جنوب موريتانيا، وكانت قد دخلت في الإسلام منذ قرون، وكان على رأس جدالة رئيسهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، وكان لهذا الرجل فطرة سوية وأخلاق حسنة.

نظر يحيى بن إبراهيم في قبيلته فوجد أمورا عجيبة (كان ذلك متزامنا مع مأساة بربشتر وبلنسية)، فقد وجد الناس وقد أدمنوا الخمور، وألفوا الزنى، حتى إن الرجل ليزاني حليلة جاره ولا يعترض جاره، تماما كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم [وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنْكَرَ] {العنكبوت29}

ولماذا يعترض الجار وهو يفعل نفس الشيء مع جاره؟!

فقد فشى الزنى بشكل مريع في جنوب موريتانيا في ذلك الزمن، وكثر الزواج من أكثر من أربعة، والناس ما زالوا مسلمين ولا ينكر عليهم منكر، السلب والنهب هو العرف السائد، القبائل مشتتة ومفرقة، القبيلة القوية تأكل الضعيفة، والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف، بل هو أشد وأخزى
.

لقد كانت هذه الأوضاع سواء في بلاد الأندلس أو في موريتانيا أشد وطأة مما نحن عليه الآن، فلننظر كيف يكون القيام، ولنتدبر تلك الخطوات الممنهجة وفق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تغيير هذا المنكر والعمل نحو الإصلاح.

يحيى بن إبراهيم وهمّ المسلمين

كان يحيى بن إبراهيم الجدالي صاحب الفطرة النقية يعلم أن كل ما يفعله قومه هذا من المنكرات، لكنه لم يكن بمقدوره التغيير؛ فالشعب كله في ضلال وعمى، وبعيد كل البعد عن الدين، كما أن الرجل نفسه لا يملك من العلم ما يستطيع به أن يغير الناس.

وبعد حيرة وتفكر هداه ربه لأن يذهب إلى الحج، ثم وهو في طريق عودته يُعرّج على حاضرة الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان (في تونس الآن)، فيكلم علماءها المشهورين بالعلم علّ واحدا منهم أن يأتي معه فيُعلّم قبيلته الإسلام.

وبالفعل ذهب إلى الحج وفي طريق عودته ذهب إلى القيروان، وقابل هناك أبا عمران الفاسي، وهو شيخ المالكية في مدينة القيروان (كان المذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي وإلى عصرنا الحاضر، كما كان هو المذهب السائد في بلاد الأندلس)، فحكى له قصته وسأله عن الدواء، فما كان من أبي عمران الفاسي إلا أن أرسل معه شيخا جليلا يعلّم الناس أمور دينهم.

كان الشيخ عبد الله بن ياسين من شيوخ المالكية الكبار، له طلاب علم كثيرون في أرض المغرب والجزائر وتونس، كانوا يأتون إليه ويستمعوه منه، وكان يعيش في حاضرة من حواضر الإسلام على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وها هو الذي قبِل القيام بهذه المهمة الكبيرة، وفضّل أن يُغوّر في الصحراء ويترك كل ما هو فيه ليعلم الناس الإسلام، ويقوم بمهمة الرسل، وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

عبد الله بن ياسين ومهمة الأنبياء

اتجه الشيخ عبد الله بن ياسين صوب الصحراء الكبرى، مخترقا جنوب الجزائر وشمال موريتانيا حتى وصل إلى الجنوب منها، حيث قبيلة جدالة، وحيث الأرض المجدبة والحر الشديد، وفي أناة شديدة، وبعد ما هاله أمر الناس في ارتكاب المنكرات أمام بعضهم البعض ولا ينكر عليهم منكر، بدأ يعلم الناس، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

ولكن - وللأسف - فقد ثار عليه أصحاب المصالح والشعب وجميع الفصائل، فالكل يريد أن يعيش شهواته وملذاته ودون قيد أو حجْر، وأصحاب المصالح هم أكبر مستفيد مما يحدث، فبدأ الناس يجادلونه ويصدونه عما يفعل، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجدالي زعيم القبيلة أن يحميه، وذلك لأن الشعب كان لا يعرف الفضيلة، وفي ذات الوقت كان رافضا للتغيير، ولو كان أصر يحيى بن إبراهيم الجدالي على موقفه هذا لخلعه الشعب ولخلعته القبيلة.

لم يقنط الشيخ عبد الله بن ياسين، وحاول المرة تلو المرة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب، وحين استمر على موقفه من تعليمهم الخير وهدايتهم إلى طريق رب العالمين، قاموا بضربه ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل.

لم يزدد موقفه إلا صلابة، ومرت الأيام وهو يدعو ويدعو حتى قاموا بالفعل بطرده من البلاد، ولسان حالهم دعك عنا، اتركنا وشأننا، ارجع إلى قومك فعلمهم بدلا منا، دع هذه البلاد تعيش كما تعيش فليس هذا من شأنك، وكأنا نراه رأي العين وهو يقف خارج القبيلة، تنحدر دموعه على خده، ويقول بحسرة تقطع قلبه [يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون] {يس26}.

يريد أن يغيّر ولا يستطيع، أنفس تتفلت منه إلى طريق الغواية والحيدة عن النهج القويم ولا سبيل إلى تقويمها، حزّ في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم ويرشدهم، فأراد أن يبقى ولكن كيف يبقى؟ أيدخل جدالة من جديد؟ لكنه سيموت، ولو كان الموت مصلحا فأهلا بالموت، لكن هيهات ثم هيهات.

عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين

جلس رحمه الله يفكر ويفكر ثم هداه ربه سبحانه وتعالى، فما كان منه إلا أن تعمّق في الصحراء ناحية الجنوب، وبعيدا عن الحواضر والمدنية، حتى وصل إلى شمال السنغال (لا نعرف عن السنغال سوى فريقها القومي، رغم كونها بلدا إسلاميا كبيرا، حيث أكثر من تسعين بالمائة من سكانه من المسلمين).

وهناك وفي شمال السنغال وعلى مصب نهر من الأنهار في غابات أفريقيا يصنع خيمة بسيطة له ويجلس فيها وحده، ثم يبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا، تلك التي أخرجه أهلها منها يخبرهم فيها بمكانه، فمن يريد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان.

كان من الطبيعي أن يكون في جدالة بعض الناس خاصة من الشباب الذين تحركت قلوبهم للفطرة السوية ولهذا الدين، لكن أصحاب المصالح ومراكز القوى في البلاد كانوا يمنعونهم من ذلك، فحين علموا أنهم سيكونون بعيدين عن قومهم، ومن ثم يكونون في مأمن مع شيخهم في أدغال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فنزلوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر الخمسة نفر واحدا بعد الآخر.

وفي خيمته وبصبر شديد أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يعلمهم الإسلام كما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وكيف أن الإسلام نظام شامل متكامل ينتظم كل أمور الحياة، وبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، والجهاد في سبيل الله، وكيف يركبون الخيل ويحملون السيوف، وكيف يعتمدون على أنفسهم في مطعمهم ومشربهم، وكيف ينزلون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يستجدون طعامهم ممن حولهم من الناس.

ذاق الرجال معه حلاوة الدين، ثم شعروا أن من واجبهم أن يأتوا بمعارفهم وأقربائهم وذويهم، لينهلوا من هذا المعين، ويتذوقوا حلاوة ما تذوقوه، فذهبوا إلى جدالة - وكانوا خمسة رجال - وقد رجع كل منهم برجل فأصبحوا عشرة، ثم زادوا إلى عشرين، وحين ضاقت عليهم الخيمة أقاموا خيمة ثانية فثالثة فرابعة، وبدأ العدد في ازدياد مستمر.

هذا ولم يمل الشيخ عبد الله بن ياسين تعليمهم الإسلام من كل جوانبه، وكان يكثر من تعليمهم أنه إذا ما تعارض شيء مع القرآن أو السنة فلا ينظر إليه، وأنه لا بد من المحافظة على هذه الأصول كي تبني ما تريد وتصل إلى ما تبغي.

بداية المرابطين، وبداية الرسول صلى الله عليه وسلم

مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين فالمائة فالمائة وخمسين فالمائتين، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسمهم إلى مجموعات صغيرة، على كل منها واحد من النابغين، وهو نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وحين كان يجلس صلى الله عليه وسلم مع صحابته في مكة يعلمهم الإسلام، ومرورا ببيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلا من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسما، وجعل على كل قسم (خمسة نفر) منهم قيبا عليهم، ثم أرسلهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.

وهكذا أيضا كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى بلغ العدد في سنة أربع وأربعين وأربعمائة من الهجرة، بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى شمال السنغال إلى ألف نفس مسلمة [نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] {الصَّف13}.

فبعد أن طرد الرجل وأوذي في الله وضرب وهدد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدا طريدا شريدا، ثم في زمن لم يتعدى الأربع سنوات يتخرج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من التبعية والتعليم.

وفي قبائل صنهاجة المفرقة والمشتتة توزع هؤلاء الألف الذين كانوا كما ينبغي أن يكون الرجال، فأخذوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يعلمون الناس الخير ويعرفونهم أمور دينهم، فبدأت جماعتهم تزداد شيئا فشيئا، وبدأ الرقم يتخطى حاجز الألف إلى مائتان وألف ثم إلى ثلاثمائة وألف، يزداد التقدم ببطء لكنه تقدم ملموس جدا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:48 pm


معنى المرابطون

أصل كلمة الرباط هي ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمن خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد، وهو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.

ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يتخذون خياما على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويجاهدون في سبيل الله، فقد تَسمى الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه ممن كانوا يرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.

يحيى بن عمر اللمتوني والمرابطون

وفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة يحدث ما هو متوقع وليس بغريب عن سنن الله سبحانه وتعالى فكما عهدنا أن من سنن الله سبحانه وتعالى أن يتقدم المسلمون ببطء في سلم الارتفاع والعلو، ثم يفتح الله عليهم بشيء لم يكن هم أنفسهم يتوقعونه، وكما حدث للمسلمين - كما ذكرنا - في عهد عبد الرحمن الناصر من دخول سرقسطة وموت عمر بن حفصون، أيضا في هذه البلاد تحدث انفراجة كبيرة، ويقتنع بفكرة الشيخ عبد الله بن ياسين وجماعته من شباب قبيلة جدالة يحيى بن عمر اللمتوني زعيم ثاني أكبر قبيلتين من قبائل صنهاجة - القبيلة الأولى هي جدالة كما ذكرنا - وهي قبيلة لمتونة.

فدخل في جماعة المرابطين، وعلى الفور وكما فعل سعد بن معاذ رضي الله عنه حين دخل الإسلام وذهب إلى قومه وكان سيدا عليهم وقال لهم إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم عليّ حرام، حتى تشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قام يحيى بن عمر اللمتوني وفعل الأمر نفسه، وذهب إلى قومه وأتى بهم ودخلوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في جماعته، وأصبح الثلاثمائة وألف سبعة آلاف في يوم وليلة، مسلمون كما ينبغي أن يكون الإسلام.

وفي مثال لحسن الختام وبعد قليل من دخول قبيلة لمتونة في جماعة المرابطين يموت زعيمهم الذي دلهم على طريق الهداية الشيخ يحيى بن عمر اللمتوني، ثم يتولى من بعده زعامة لمتونة الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني.

دخل الشيخ أبو بكر بن عمر المتوني بحماسة شديدة مع الشيخ عبد الله بن ياسين، وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأدخلوا معهم جدالة، فأصبحت جدالة ولمتونة وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا جماعة واحدة تمثل جماعة المرابطين.

أما الشيخ عبد الله بن ياسين ففي إحدى جولاته وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في إحدى القبائل، حاربوه وقاتلوه حتى استشهد رحمه الله سنة إحدى وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وبعد أحد عشر عاما من الدعوة، خلّف على إثرها اثنا عشر ألف رجل على منهج صحيح في فهم الاسلام.

أبو بكر بن عمر اللمتوني وزعامة دولة المرابطين

بعد الشيخ عبد الله بن ياسين يتولى الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة جماعة المرابطين، وفي خلال سنتين من زعامته لهذه الجماعة الناشئة يكون قد ظهر في التاريخ ما يعرف بدويلة المرابطين، وأرضها آنذاك شمال السنغال وجنوب موريتانيا، وهي بعد لا تكاد تُرى على خريطة العالم.

وبعد سنتين من تولي الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة المرابطين، وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة يسمع بخلاف قد نشب بين المسلمين في جنوب السنغال في منطقة بعيدة تماما عن دويلة المرابطين، وبعلمه أن الخلاف شر وأنه لو استشرى بين الناس فلن يكون هناك مجال للدعوة، فينزل بعجالة ليحل هذا الخلاف رغم أن الناس ليسوا في جماعته وليسوا من قبيلته، لكنه وبحكمة شديدة يعلم أنه الحق ولا بد له من قوة تحميه.

وفي السنة المذكورة كان قد وصل تعداد المرابطين قرابة الأربعة عشر ألفا، فأخذ نصفهم وجاب أعماق السنغال في جنوبها ليحل الخلاف بين المتصارعين هناك، تاركا زعامة المرابطين لابن عمه يوسف بن تاشفين رحمه الله.

يستطيع أبو بكر بن عمر اللمتوني أن يحل الخلاف الذي حدث في جنوب السنغال، لكنه يفاجأ بشيء عجيب، فقد وجد في جنوب السنغال وبجانب هذه القبائل المتصارعة قبائل أخرى وثنية لا تعبد الله بالكلية، وجد قبائل تعبد الأشجار والأصنام وغير ذلك، وجد قبائل لم يصل إليها الإسلام بالمرة.

حزّ ذلك في نفسه رحمه الله حيث كان قد تعلم من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يحمل همّ الدعوة إلى الله، وأن يحمل همّ هداية الناس أجمعين حتى إن لم يكونوا مسلمين، وأن يسعى إلى التغيير والإصلاح بنفسه، فأقبل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بالسبعة آلاف الذين معه يعلمونهم الإسلام ويعرفونهم دين الله، فأخذوا يتعلمون ويتعجبون كيف لم نسمع بهذا الدين من قبل! كيف كنا بعيدين عن هذا الدين الشامل المتكامل! حيث كانوا يعيشون في أدغال أفريقيا ويفعلون أشياء عجيبة، ويعبدون أصناما غريبة، ولا يعرفون لهم ربا ولا إلها.

وبصبر شديد ظل أبو بكر بن عمر اللمتوني يدعوهم إلى الإسلام، فدخل منهم جمع كثير وقاومه جمع آخر؛ ذلك لأن أهل الباطل لا بد وأن يحافظوا على مصالحهم، حيث هم مستفيدون من وجود هذه الأصنام، ومن ثم فلا بد وأن يقاوموه، فصارعهم أيضا والتقى معهم في حروب طويلة.

ظل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني يتوسع في دعوته ويتنقل من قبيلة إلى قبيلة، ثم في سنة ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة، وبعد خمس عشرة سنة كاملة من تركه جنوب موريتانيا وهو زعيم على دويلة المرابطين، يعود رحمه الله بعد مهمة شاقة في سبيل الله عز وجل يدعو إلى الله على بصيرة، فيُدخل في دين الله ما يُدخل، ويحارب من صد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى حتى يرده إلى الدين أو يصده عن صده.

يوسف بن تاشفين ومهام صعبة

منذ أن ترك الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني دويلة المرابطين في جنوب موريتانيا وشمال السنغال في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة والشيخ يوسف بن تاشفين ينتظر وصوله، مر يوم ويومان وشهر وشهران ولم يرجع، وحين علم أنه قد توغل في أفريقيا ما كان منه رحمه الله إلا أن بدأ ينظر في الشمال باحثا عمن ابتعد عن دين الله فيعلمه ويرده إليه.

نظر يوسف بن تاشفين في شمال موريتانيا (المنطقة التي تعلوه) وفي جنوب المغرب العربي فرأى من حال البربر الذين يعيشون في هذه المنطقة وبالتحديد في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة رأى أمورا عجبا، هذه بعض منها

أولا قبيلة غمارة

هي من قبائل البربر وقد وجد فيها رجلا يُدعى حاييم بن منّ الله يدّعي النبوة وهو من المسلمين، والغريب أنه لم ينكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال إنه نبي على دين الإسلام، ثم أخذ يُشرّع للناس شرعا جديدا وهم يتبعونه في ذلك ويظنون أن هذا هو الإسلام.

فرض حاييم بن منّ الله على قبيلته صلاتين فقط في اليوم والليلة، إحداها في الشروق والأخرى في الغروب، وبدأ يؤلف لهم قرآنا بالبربرية، ووضع عنهم الوضوء، ووضع عنهم الطُّهر من الجنابة، كما وضع عنهم فريضة الحج، وحرّم عليهم أكل بيض الطيور وأحلّ لهم أكل أنثى الخنزير، وأيضا حرّم أكل السمك حتى يُذبح.

وإنه لخلط وسفه بيّنٌ خاصة حين يدّعي أنّه من المسلمين، كما أنه من العجب أن يتبعه الناس على هذا الأمر ويعتقدون أن هذا هو الاسلام.

قبيلة برغواطة

هي قبيلة أخرى من قبائل البربر في تلك المنطقة، على رأسها كان رجل يُدعى صالح بن طريف بن شمعون، ذلك الذي لم يكن بصالح ادّعى أيضا النبوة، وفرض على الناس خمس صلوات في الصباح وخمس في المساء، وفرض عليهم نفس وضوء المسلمين بالإضافة إلى غسل السُّرّة وغسل الخاصرتين، كما فرض عليهم الزواج من غير المسلمات فقط، وجوّز لهم الزواج بأكثر من أربعة، وأيضا فرض عليهم تربية الشعر للرجال في ضفائر وإلا أثموا، ومع كل هذا فقد كان يدّعي أنه من المسلمين.

قبيلة زناتة

كانت قبيلة زناته من القبائل السنيّة في المنطقة، وكانت تعرف الإسلام جيدا، لكنها لم تكن تعرف منه غير جانب العبادات وأمور العقيدة، فقد كانوا يصلون كما ينبغي أن تكون الصلاة، ويزكون كما يجب أن تكون الزكاة، لكنهم كانوا يسلبون وينهبون مَن حولهم، والقوي فيهم يأكل الضعيف، فَصَلُوا الدين تماما عن أمور الدنيا وسياسة الحياة العامة، فلم يكن الدين عندهم إلا صلاة وصيام وحج، وفي غير ذلك من المعاملات افعل ما بدا لك ولا حرج.

كان من هذا القبيل الكثير والكثير الذي يكاد يكون قد مرق من الدين بالكلية، وقد كانت هناك قبيلة أخرى تعبد الكبش وتتقرب به إلى رب العالمين، وبالتحديد في جنوب المغرب، تلك البلاد التي فتحها عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير رضي الله عنهما.

يوسف بن تاشفين وصناعة النصر والحضارة

شق ذلك الوضع كثيرا على يوسف بن تاشفين رحمه الله فأخذ جيشه وانطلق إلى الشمال ليدعو الناس إلى الإسلام، دخل معه بعضهم لكن الغالب قاومه وحاربه، فحاربه حاييم بن منّ الله، وحاربه صالح بن طريف، وحاربته كل القبائل الأخرى في المنطقة، حتى حاربته قبيلة زناتة السنية، فحاربهم بالسبعة آلاف رجل الذين تركهم معه أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله، ثم بمرور الأيام بدأ الناس يتعلمون منه الإسلام ويدخلون في جماعته المجاهدة.

وبعد رجوع الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في سنة ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة، وبعد خمس عشرة سنة من الدعوة - كما ذكرت - في جنوب السنغال وأدغال أفريقيا، يرى يوسف بن تاشفين رحمه الله الذي كان قد تركه فقط على شمال السنغال وجنوب موريتانيا في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة من الهجرة يراه أميرا على السنغال بكاملها، موريتانيا بكاملها، المغرب بكاملها، الجزائر بكاملها، تونس بكاملها، وعلى جيش يتخطى حاجز السبعة آلاف ليصل إلى مائة ألف فارس غير الرجالة، يرفعون راية واحدة ويحملون اسم المرابطون.

وجد أبو بكر بن عمر اللمتوني كذلك أن هناك مدينة قد أُسست على التقوى لم تكن على الأرض مطلقا قبل أن يغادر، وتلك هي مدينة مراكش، والتي أسسها الأمير يوسف بن تاشفين، وكان أول بناء له فيها هو المسجد الذي بناه بالطين والطوب اللبن، تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحمل بنفسه الطين مع الناس تشبها أيضا به صلى الله عليه وسلم وهو الأمير على مائة ألف فارس.

وكذلك وجد الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رجلا قد أسس حضارة لم تُعرف في المنطقة منذ سنوات وسنوات، ثم هو بعد ذلك يراه زاهدا متقشفا ورعا تقيا، عالما بدينه طائعا لربه، فقام الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بعمل لم يحدث إلا في تاريخ المسلمين فقط، حيث قال ليوسف بن تاشفين أنت أحق بالحكم مني، أنت الأمير، فإذا كنت قد استخلفتك لأجل حتى أعود فإنك تستحق الآن أن تكون أميرا على هذه البلاد، أنت تستطيع أن تجمع الناس، وتستطيع أن تملك البلاد وتنشر الإسلام أكثر من ذلك، أما أنا فقد ذقت حلاوة دخول الناس في الإسلام، فسأعود مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا أدعو إلى الله هناك.

أبو بكر بن عمر اللمتوني رجل الجهاد والدعوة

نزل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا يدعو من جديد، فأدخل الإسلام في غينيا بيساو جنوب السنغال، وفي سيراليون، وفي ساحل العاج، وفي مالي، وفي بوركينا فاسو، وفي النيجر، وفي غانا، وفي داهومي، وفي توجو، وفي نيجريا وكان هذا هو الدخول الثاني للإسلام في نيجريا؛ حيث دخلها قبل ذلك بقرون، وفي الكاميرون، وفي أفريقيا الوسطى، وفي الجابون.

فكان أكثر من خمس عشرة دولة أفريقية قد دخلها الإسلام على يد هذا المجاهد البطل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله هذا الرجل الذي كان إذا دعا إلى الجهاد في سبيل الله - كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية - كان يقوم له خمسمائة ألف مقاتل، خمسمائة ألف مقاتل غير من لا يقومون من النساء والأطفال، وغير بقية الشعوب في هذه البلاد من أعداد لا تحصى قد اهتدت على يديه.

فلا شك أنه كلما صلى رجل صلاة في النيجر أو في مالي أو في نيجريا أو في غانا، كلما صلى رجل صلاة هناك، وكلما فعل أحد منهم من الخير شيئا إلا أُضيفت إلى حسنات الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ومن معه رحمهم الله.

وها هو رحمه الله وبعد حياة طويلة متجردة له سبحانه وتعالى يستشهد في إحدى فتوحاته في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وما رأى عزًّا وما رأى ملكا، وكان يغزو في كل عام مرتين، يفتح البلاد ويعلم الناس الإسلام، لتصبح دولة المرابطين قبل استشهاده رحمه الله ومنذ سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة تتربع على خريطة العالم من تونس في الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا، وهي تملك أكثر من ثلث مساحة أفريقيا.

لذلك فحين قرأ ألفونسو السادس رد رسالة المعتمد على الله بن عباد أمير أشبيلية المحاصرة من قِبل الأول لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين، علم أنه سيواجه ثلث أفريقيا، وعلم أنه سيقابل أقواما عاشوا على الجهاد سنوات وسنوات، فقام من توه بفك الحصار ثم الرحيل.

دولة المرابطين ويوسف بن تاشفين أمير المسلمين وناصر

كان بداية حديثنا عن تاريخ المرابطين هو سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، وكانت البداية برجل واحد فقط هو الشيخ عبد الله بن ياسين، ثم بعد صبر وتربية متأنية في الدعوة إلى الله على النهج الصحيح القويم يصل عدد المرابطين وانتشارهم إلى هذا الشكل الذي أشرنا إليه، والذي يمثل الآن أكثر من عشرين دولة أفريقية.

فقط كان ذلك بعد ثمان وثلاثين سنة، وتحديدا في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة، ويصبح يوسف بن تاشفين رحمه الله زعيم هذه الدولة العظيمة، ويسمي نفسه أمير المسلمين وناصر الدين، وحين سُئل لماذا لا تتسمى بأمير المؤمنين؟ أجاب هذا شرف لا أدعيه، هذا شرف يخص العباسيين وأنا رجلهم في هذا المكان.

كان العباسيون في هذه الفترة لا يملكون سوى بغداد فقط، وكان يوسف بن تاشفين يريد أن يكون المسلمون تحت راية واحدة، فلم يرد رحمه الله أن يشق عصا الخلافة، ولا أن ينقلب على خليفة المسلمين، وكان يتمنى أن لو استطاع أن يضم قوته إلى قوة الخليفة العباسي هناك، ويصبح هو رجلا من رجاله في هذه البلاد فقال مجمّعا مؤمّلا وأنا رجلهم في هذا المكان.

يوسف بن تاشفين ووفد الأندلس

في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة وفي مراكش يستقبل يوسف بن تاشفين الوفد الذي جاء من قِبل بعض ملوك الطوائف - كما ذكرنا - يطلبون العون والمساعدة في وقف وصد هجمات النصارى عليهم، وإذا به رحمه الله يتشوّق لمثل ما يطلبون، حيث الجهاد في سبيل الله ومحاربة النصارى، فيالها من نعمة، ويالها من منّة.

ما كان منه رحمه الله إلا أن انطلق معهم وبنحو سبعة آلاف فقط من المجاهدين، رغم أن قوته في الشمال الأفريقي مائة ألف مقاتل، وكان لديه في الجنوب خمسمائة ألف، وقد كان هذا ملمح ذكاء منه؛ إذ لم يكن رحمه الله وهو القائد المحنك ليخرج ويلقي بكل قواته في الأندلس، ويتحرك هكذا بمثل هذه العشوائية، ويترك كل هذه المساحات الكبيرة في شمال وجنوب أفريقيا بلا حراسة ولا حماية، ومن ثم فقد رأى أن يظل جيش رابض في تونس وآخر في الجزائر ومثله في المغرب وهكذا في كل البلاد الإفريقيه التي فتحت.

أعد العدة رحمه الله وجهز السفن، وهو يعبر مضيق جبل طارق، وفي وسطه يهيج البحر وترتفع الأمواج وتكاد السفن أن تغرق، وكما كان قائدا يقف هنا قدوة وإماما، خاشعا ذليلا، يرفع يديه إلى السماء ويقول

اللهم إن كنت تعلم أن في عبورنا هذا البحر خيرا لنا وللمسلمين فسهّل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره، فتسكن الريح، ويعبر الجيش، وعند أول وصول له، والوفود تنتظره ليستقبلونه استقبال الفاتحين، يسجد لله شكرا أن مكنّه من العبور، وأن اختاره ليكون جنديا من جنوده سبحانه وتعالى ومجاهدا في سبيله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:49 pm


يوسف بن تاشفين وقدوة كانت قد افتقدت وغُيّبت

يدخل يوسف بن تاشفين أرض الأندلس، ويدخل إلى أشبيلية والناس يستقبلونه استقبال الفاتحين، ثم يعبر في اتجاه الشمال إلى ناحية مملكة قشتالة النصرانية، تلك التي أرعبت كل أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت، يتجه إليها في عزة نفس ورباطة جأش منقطعة النظير بسبعة آلاف فقط من الرجال.

كان الأندلسيون ومنذ أكثر من سبعين سنة، في ذل وهوان وخنوع يدفعون الجزية للنصارى، وحينما شاهدوا هؤلاء الرجال الذين ما ألفوا الذل يوما، وما عرفوا غير الرباط في سبيل الله، حينما شاهدوهم يعبرون القفار ويتخطون البحار حاملين أرواحهم على أكفهم من أجل عز الإسلام وإعلاء كلمة الله ورفعة المسلمين، حينما شاهدوهم على هذه الحال تبدلوا كثيرا، وتاقت نفوسهم إلى مثل أفعالهم، فأقبلوا على الجهاد، وأذّنوا بحي على خير العمل.

وبدأ يلحق بركب يوسف بن تاشفين الرجل من قرطبة والرجل من أشبيلية، وآخر من بطليوس، وهكذا حتى وصل الجيش إلى الزلاّقة في شمال البلاد الإسلامية على حدود قشتالة، وكان عددهم يربو على الثلاثين ألف رجل.

ولا نعجب فهذه هي مهام القدوة وماهيتها وفعلها في المسلمين وصورتها كما يجب أن تكون، تحركت مكامن الفطرة الطيبة، وعواطف الأخوة الصادقة، والغيرة على الدين الخاتم، تلك الأمور التي توجد لدى عموم المسلمين بلا استثناء، وتحتاج فقط إلى من يحركها ويفيقها من سباتها.

بين جيش المسلمين وجيش النصارى

تحرك الثلاثون ألف رجل بقيادة يوسف بن تاشفين ليصلوا إلى الزلاّقة، وهو ذلك المكان الذي دارت فيه موقعة هي من أشهر المواقع الإسلاميه في التاريخ، وذلك المكان الذي لم يكن يُعرف بهذا الاسم قبل ذلك، لكنه اشتهر به بعد الموقعة، وسنعرف قريبا ودون قصد لماذا سُميت بالزّلاقة.

في الوقت الذي يصل فيه يوسف بن تاشفين وجيشه إلى الزلاقة يصله نبأ مفزع من بلاده بالمغرب، إنه يحمل مصيبة قد حلت به وبداره، فابنه الأكبر قد مات، لكنه ورغم ذلك فلم تفت هذه المصيبة في عضده، ولم يفكر لحظة في الرجوع، ولم يرض أن يرسل قائدا من قواده ويرجع هو، بل ذهب وهو الأمير على ثلث أفريقيا وأخذ معه أكبر قوّاد المرابطين وهو داود بن عائشة، وأرسل وزيره ليحكم البلاد في غيابه هناك.

كان النصارى قد استعدوا لقدوم يوسف بن تاشفين بستين ألفا من المقاتلين، على رأسهم ألفونسو السادس بعد أن جاءه العون من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا، وبعد أن أخذ وعودا من البابا وصكوكا بالغفران لكل من شارك في حرب المسلمين هذه.

قدم ألفونسو السادس يحمل الصلبان وصور المسيح وهو يقول بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس وأقاتل ملائكة السماء وأقاتل محمدا وصحبه، فهو يعرف تماما أنها حرب صليبية ضد الإسلام.

الرسائل والحرب الإعلامية

وكعادة الجيوش في ذلك الوقت في تبادل الرسائل، أرسل يوسف بن تاشفين برسالة إلى ألفونسو السادس يقول له فيها بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنا تعبر بها إلينا، فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإني أعرض عليك الإسلام، أو الجزية عن يد وأنت صاغر، أو الحرب، ولا أؤجلك إلا لثلاث.

تسلم ألفونسو السادس الرسالة وما إن قرأها حتى اشتاط غضبا، إذ كيف يدفع الجزية وقد أخذها هو من المسلمين، ومن قبله آباؤه وأجداده؟! فأرسل ليوسف بن تاشفين متوعدا ومهددا فإني اخترت الحرب، فما ردك على ذلك؟ وعلى الفور أخذ يوسف بن تاشفين الرسالة، وقلبها وكتب على ظهرها الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.

وفي محاولة ماكرة لخديعة المسلمين أرسل ألفونسو السادس يحدد يوم المعركة، وكان يوم ذاك هو الخميس، فأرسل أن غدا الجمعة، وهو عيد من أعياد المسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الإثنين.

استلم يوسف بن تاشفين الرسالة، وبوعي تام وبقيادة تعلم خبايا الحروب وفنون مقدماتها لم يُرِي جيشه هذه الرسالة، إذ إنه يعلم أن هذا الرجل مخادع، كيف وهم يكذبون على الله فيكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وكيف والله قال فيهم [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة100}

تجهيز الجيش ورؤيا ابن رميلة

بحذر تام لم يلتفت يوسف بن تاشفين إلى ما جاء في رسالة ألفونسو السادس، وقام بتعبئة الجيش وتجهيزه يوم الخميس هذا، ووضعه على أتم الاستعداد، وفي ليلة الجمعة كان ينام مع الجيش شيخ كبير من شيوخ المالكية في قرطبة، وهو ابن رميلة، إذ لم تكن مهمة الشيخ يوما ما مجرد الجلوس في المسجد أو إلقاء الدروس أو تعليم القرآن فقط، فقد كان هذا الشيخ يفقه أمور دينه ويعلم أن هذا الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين.

في هذه الليلة يرى ابن رميلة هذا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له يا ابن رميلة، إنكم منصورون، وإنك ملاقينا.

يستيقظ ابن رميلة من نومه وهو الذي يعلم أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به، فيقوم فرحا مسرورا، لا يستطيع أن يملك نفسه، بشّره رسول الله، وسيموت في سبيل الله، الحسنيين أمام عينيه، نصر للمؤمنين وشهادة تناله، فيالها من فرحة، وياله من أجر.

وعلى الفور يذهب ابن رميلة رحمه الله في جنح الليل فيوقظ يوسف بن تاشفين، ويوقظ المعتمد على الله بن عبّاد الذي كان يقود وحدة كبيرة من قوات الأندلس، ويوقظ المتوكل بن الأفطس وعبد الله بن بلقين، ويوقظ كل قوّاد الجيش، وأخذ يقص عليهم رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هزت تلك الرؤيا يوسف بن تاشفين وكل قواد الجيش، وقاموا من شدة فرحهم وفي منتصف الليل وأيقظوا الجيش كله على صوت رأى ابن رميلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له إنكم لمنصورون وإنك ملاقينا.

وفي لحظة لم يتذوقوها منذ سنوات وسنوات في أرض الأندلس، يعيش الجيش كله أفضل لحظات السعادة، وتتوق النفوس إلى الشهادة، ويأمر يوسف بن تاشفين بقراءة سورة الأنفال، ويأمر الخطباء بتحفيز الناس على الجهاد، ويمر هو بنفسه رحمه الله على الفصائل ينادي ويقول طوبى لمن أحرز الشهادة، ومن بقي فله الأجر والغنيمة.

الجيش الإسلامي وخطة الإعداد والهجوم

بعد ترتيب الجيش وصلاة فجر يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر رجب لسنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة، لم تكن مفاجأة ليوسف بن تاشفين أن يخالف ألفونسو السادس طبيعته وينقض عهده ويبدأ بالهجوم في ذلك اليوم، إذ ذاك هو الأصل، والذي يجب أن نعلمه جميعا.

أما المفاجئة فأصابت ألفونسو السادس الذي وجد الجيش الإسلامي على أتم تعبئة وأفضل استعداد، وبخطة محكمة، كان يوسف بن تاشفين قد قسم الجيش إلى نصفين، نصف أمامي ونصف خلفي، أما النصف الأمامي فقد طلب المعتمد على الله بن عبّاد أن يكون على قيادته على من معه من الأندلسيين، يريد بذلك أن يكون بين المسلمين وبين النصارى، يريد أن يغسل عار السنين السالفة، يريد أن يمحو الذل الذي أذاقه إياه ألفونسو السادس، إنه يريد أن يتلقى الضربة الأولى من جيش النصارى.

في نصف عدد الجيش، وفي خمسة عشر ألف مقاتل يقف المعتمد على الله بن عبّاد في مقدمة الجيش ومن خلفه داود بن عائشة كبير قوّاد المرابطين، أما النصف الثاني أو الجيش الخلفي ففيه يوسف بن تاشفين رحمه الله يختفي خلف أحد التلال البعيدة تماما عن أرض المعركة، ويضم أيضا خمسة عشر ألف مقاتل، ويستبقي من الجيش الثاني أو الخلفي الذي فيه يوسف بن تاشفين أربعة آلاف مقاتل، فيبعدهم أكثر عن هذا الجيش الخلفي، وقد كان هؤلاء الأربعة آلاف من رجال السودان المهرة، يحملون السيوف الهندية والرماح الطويلة، وكانوا أعظم المحاربين في جيش المرابطين، فاستبقاهم يوسف بن تاشفين في مؤخرة الجيش.

أصبح جيش المسلمين مقسم إلى ثلاث فرق، الفرقة الأولى وهي المقدمة بقيادة المعتمد على الله وتضم خمسة عشر ألف مقاتل، والفرقة الثانية خلف الأولى وعلى رأسها يوسف بن تاشفين وتضم أحد عشر ألف مقاتل، وأخيرا ومن بعيد تأتي الفرقة الثالثة وتضم أربعة آلاف مقاتل هم من أمهر الرماة والمحاربين.

لم تكن خطة يوسف بن تاشفين رحمه الله جديدة في حروب المسلمين، فقد كانت هي نفس الخطة التي استعملها خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة الولجة في فتوح فارس، وهي أيضا نفس الخطة التي استعملها النعمان بن مقرن رضي الله عنه في موقعة نهاوند في فتوح فارس أيضا، فكان رحمه الله رجلا يقرأ التاريخ ويعرف رجالاته ويعتبر بهم.

الزلاّقة ومعركة الوجود الإسلامي في الأندلس

لما كان يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من شهر رجب لسنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة هجم ألفونسو السادس بستين ألفا نصرانيا على الجيش الأول للمسلمين المؤلف من خمسة عشر ألف فقط، وقد أراد يوسف بن تاشفين من وراء ذلك أن تحتدم الموقعة فتنهك قوى الطرفين حتى لا يستطيعان القتال، وكما يحدث في سباق الماراثون فيقوم هو ويتدخل بجيشه ليعدل الكفة لصالح صف المسلمين.

وأمام أمواج تتلوها أمواج وأسراب تتبعها أسراب، يصبر المسلمون أمام ستين ألفا من النصارى، حتى مات تحت المعتمد على الله بن عبّاد ثلاث خيول كان يقاتل عليها، حتى إنه كان لا يُرى من الدماء عليه.

وهناك وبعد عصر ذلك اليوم يشير يوسف بن تاشفين إلى من معه أن انزلوا وساعدوا إخوانكم، وذلك بعد أن كانت قد أُنهكت قوى الطرفين من المسلمين والنصارى، وبعد طول صبر ينزل يوسف بن تاشفين بالأحد عشر مقاتلا الذين كانوا معه وهم في كامل قوتهم، فيحاصرون الجيش النصراني.

قسّم يوسف بن تاشفين الجيش الذي كان معه إلى قسمين، فالأول يساعد مقدمة المسلمين، والثاني يلتف خلف جيش النصارى، وكان أول فعل له خلف جيش النصارى هو أن حرّق خيامهم، وذلك حتى يعلم النصارى أن يوسف بن تاشفين ومن معه من ورائهم وهم محيطون بهم، فقد كان يعلم رحمه الله أن مثل هؤلاء الناس ما يهمهم من الدنيا إلا أن يظلوا أحياء، وأن ينجوا بأنفسهم.

حين علم النصارى أن المسلمين من ورائهم وأنهم محاصرون بهم دبت الهزيمة في قلوبهم، وبدأ الخلل يتغلغل في صفوفهم، وبالفعل بدأ الانسحاب التدريجي التكتيكي الذي ينحو أقل خسارة ممكنة، وقد التف الناس حول ألفونسو السادس يحمونه، ثم حدثت خلخلة عظيمة في جيشهم.

وفي الضربة الأولى ليوسف بن تاشفين يُقتل من النصارى عشرة آلاف رجل، وفي وصف لهذا القائد في تلك المعركة يقول المؤرخون بأن يوسف بن تاشفين وهو الأمير على ثلث إفريقيا كان في هذه الموقعة يتعرض للموت ويتعرض للشهادة ولا يصيبها، يلقي بنفسه في المهالك، رحمه الله ورضي عنه وأمثاله.

تزداد شراسة الموقعة حتى قبيل المغرب، ثم ومن بعيد يشير يوسف بن تاشفين إلى الأربعة آلاف فارس أو الفرقة الثالثة والأخيرة، والتي كانت من رجال السودان المهرة، فيأتون فيعملون القتل في النصارى ويستأصلونهم.

وتنجلي الحقيقة المروعة عن قتل خمسين وخمسمائة وتسع وخمسين ألفا من النصارى من مجموع ستين ألفا منهم، ممن كانوا سيهزمون الإنس والجن والملائكة، في موقعة كانت تنزلق فيها أقتاب الخيول وأرجل الفرسان من كثرة الدماء في هذه الأرض الصخرية، حتى سُمّيت من بعدها بالزلاقة.

وكان قد بقي من النصارى أربعمائة وخمسون فارسا فقط، منهم ألفونسو السادس الذي نجا من الموت بساق واحدة، ثم انسحب في جنح الظلام بمن معه إلى طليطلة، وقد مات منهم في الطريق من أثر الجراح المثخنة ثلاثمائة وخمسون فارسا، وهناك دخل طليطلة بمائة فارس فقط.

فكانت الزلاقة وبلا أدنى مبالغة يرموكا أخرى وقادسية ثانية.

لا نريد منكم جزاء ولا شكورا

بعد هذه المعركة جمع المسلمون من الغنائم الكثير، لكن يوسف بن تاشفين وفي صورة عقمت الدنيا أن تلد مثلها يترك كل هذه الغنائم لأهل الأندلس، ويرجع في زهد عجيب وورع كبير إلى بلاد المغرب، لسان حاله

[لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً] {الإنسان9} .

فيعود رحمه الله إلى بلاد المغرب ليس معه إلا وعودا منهم بالوحدة والتجمع ونبذ الفرقة، والتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نصحهم باتباع سنة الجهاد في سبيل الله، وعاد يوسف بن تاشفين البطل الإسلامي المغوار وعمره آنذاك تسع وسبعون سنة.

كان من الممكن له رحمه الله أن يرسل قائدا من قواده إلى أرض الأندلس ويبقى هو في بلاد المغرب، بعيدا عن تخطي القفار وعبور البحار، وبعيدا عن ويلات الحروب وإهلاك النفوس، وبعيدا عن أرض غريبة وأناس أغرب، لكنه رحمه الله وهو الشيخ الكبير يتخطى تلك الصعاب ويركب فرسه ويحمل روحه بين يديه، لسان حاله أذهب إلى أرض الجهاد علّي أموت في سبيل الله، شعاره هو

إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعُ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ

لكنه رحمه الله لم يمت هناك، فلا نامت أعين الجبناء.

صراعات ملوك الطوائف وعودة يوسف بن تاشفين من جديد

بعد عودة يوسف بن تاشفين إلى أرض المغرب، حدثت الصراعات بين أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس بسبب الغنائم وتقسيم البلاد المحررة.

وهنا ضج علماء الأندلس وذهبوا يستنجدون بيوسف بن تاشفين من جديد، لا لتخليصهم هذه المرة من النصارى، وإنما أنقذنا من أمرائنا.

يتورع يوسف بن تاشفين عن هذ الأمر، إذ كيف يهجم على بلاد المسلمين وكيف يحاربهم؟! فتأتيه رحمه الله الفتاوى من كل بلاد المسلمين تحمّله مسئولية ما يحدث في بلاد الأندلس إن هو تأخر عنها، وتحذره من ضياعها إلى الأبد، وتطلب منه أن يضمها إلى أملاك المسلمين تحت دولة واحدة وراية واحدة، هي دولة المرابطين.

فجاءته الفتوى بذلك من بلاد الشام من أبي حامد الغزالي صاحب "إحياء علوم الدين"، وقد كان معاصرا لهذه الأحداث، وجاءته الفتوى من أبي بكر الطرطوشي العالم المصري الكبير، وجاءته الفتوى من كل علماء المالكية في شمال أفريقيا.

لم يجد يوسف بن تاشفين إلا أن يستجيب لمطلبهم، فقام في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة من الهجرة، وبعد مرور أربعة أعوام على موقعة الزلاقة، وجهز نفسه ودخل الأندلس.

يوسف بن تاشفين ودولة واحدة على المغرب والأندلس

لم يكن دخول يوسف بن تاشفين الأندلس أمرا سهلا، فقد حاربه أمراء المؤمنين هناك بما فيهم المعتمد على الله بن عبّاد، ذلك الرجل الذي لم يجد العزة إلا تحت راية يوسف بن تاشفين رحمه الله قبل وبعد الزلاقة، قام المعتمد على الله بمحاربته وأنّى له أن يحارب مثله.

استطاع يوسف بن تاشفين أن يضم كل بلاد الأندلس تحت لوائه، وأن يحرر سرقسطة، تلك التي كانت قد احتُلت بعد أن قسمها أميرها بين ولديه - كما ذكرنا - واستطاع أن يضمها إلى بلاد المسلمين، وقد أصبح أميرا على دولة تملك من شمال الأندلس وبالقرب من فرنسا وحتى وسط أفريقيا، دولة واحدة اسمها دولة المرابطين.

ظل هذا الشيخ الكبير يحكم حتى سنة خمسمائة من الهجرة، وكان قد بلغ من العمر أرذله، حتى توفي رحمه الله وقد وفّى تمام المائة، وقرابة سبع وأربعين سنة في الحكم، وكان تمام ستين سنة على ميلاد دولة المرابطين، تلك التي أصبحت من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.

ذلكم هو الشيخ الكبير الذي كانت أموال الدنيا تحت يديه، حيث الأندلس تلك البلاد الغنية، لكنه رحمه الله يزهد في كل هذا، ولم يُفتن بالدنيا لحظة واحدة، وكان لباسه حتى مات الخشن من الصوف، وأكله الخبز من الشعير، وشربته لبن الإبل، فرحمة الله عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:51 pm


بين المرابطين والموحدين
حروب اليوم وهل تتكرر انتصارات المسلمين؟ وقفة متأني
قبل أن نخوض في الأحداث التي تلت موقعة الزلاقة، وامتداد دولة المرابطين إلى الأندلس، كان هناك سؤال يفرضه الذهن الشارد على طول ما سبق من أحداث

لا شك أن انتصارات المسلمين في السابق في مثل مواقع الزلاقة ووادي برباط، وأي من المواقع الإسلامية الأخرى في غير تاريخ الأندلس، لا شك أنه أمر يبعث العزة ويدعو إلى الفخر، لكن مثل هذه الانتصارات السابقة كانت حيث السيوف والرماح والخيول، ولقاء الجندي بالجندي، أما الآن وقد اختفت مثل هذه الأمور، بل واندثرت تماما، وتبدّل الوضع؛ فأصبحت الحرب غير الحرب، والطاقة غير الطاقة، حيث الحرب الإلكترونية، وحيث الطائرات والقنابل العنقودية، والصواريخ العابرة والموجهة، والأسلحة الكيماوية والنووية، وغير ذلك مما لم يكن على سابق ما مضى تماما،

فهل يستطع المسلمون أن يحققوا نصرا في مثل هذه الظروف وتلك المستجدات ورغم ما هم فيه من تخلف وانحطاط كانتصارات سابقيهم؟
!

والحقيقة أن مبعث مثل هذا الخاطر وذاك السؤال هو عدم فهمٍ ووعي لعامليْن مهمين جدا كنا قد تحدثنا عنهما فيما مضى، وهما

العامل الأول أمة الاسلام أمة لا تموت

فقد اقتضت سنة الله في كونه كما ذكرنا أن تكون أمة الإسلام أمة لا تموت، وأنها أبدا في قيام، وأنه لا بد من القيام بعد السقوط كما كان السقوط بعد القيام، بصرف النظر عن مدى قوة وعظم الكافرين وضعف المسلمين، فالله سبحانه وتعالى يقول [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ] {آل عمران196}.

العامل الثاني طبيعة المعركة بين الحق والباطل

فالحرب بين المسلمين وغيرهم ليست متمثلة في شكل دول أو أشخاص، إنما هي حرب عقائدية، حرب بين الحق والباطل، وهي بأيسر تعبير معركة بين أولياء الله سبحانه وتعالى وبين أولياء الشيطان.

فماذا تكون النتيجة إذن إذا كانت المعركة على هذا النحو؟ وهل ينتصر حزب الشيطان وأولياؤه مهما تعاظمت عناصر القوة لديهم، أم ينتصر حزب الله وأولياؤه وإن قلت وضعفت إمكاناتهم وطاقاتهم؟

وفي استدعاء للتاريخ والمواقع الإسلامية السابقة خير مثال ودليل على ما ذهبنا إليه، فهل كان من الطبيعي بالقياسات القديمة أن يحقق المسلمون النصر في معاركهم أجمع فيما مضى؟! هل كان من الطبيعي في معركة القادسية على سبيل المثال أن ينتصر اثنان وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف فارسي؟! بكل قياسات الماضي وقياسات الوضع الطبيعي هل من الممكن أن يحدث مثل هذا؟ وأين؟ في بلادهم وعقر دارهم.

وهل كان من الطبيعي في معركة اليرموك أن ينتصر تسع وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف رومي؟! وهل كان من الطبيعي أن ينتصر ثلاثون ألف مسلم في توستر على مائة وخمسين ألف فارسي ثمانين مرة متتالية في خلال سنة ونصف وفي عقر دارهم أيضا؟! وهل كان من الطبيعي كما ذكرنا في أحداث الأندلس السابقة أن ينتصر اثنا عشر ألف مسلم على مائة ألف قوطي في معركة وادي برباط؟!

هذه كلها أمور من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تحدث حتى بقياسات الماضي، وهو لغز لا يمكن حله إلا بطريقة واحدة، هي أن نعلم ونتيقن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحارب الكافرين [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال17} . يقول أيضا سبحانه وتعالى [وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ] {محمد4}.

فالله سبحانه وتعالى يختبر المؤمنين بحربهم مع الكافرين، وليس هو سبحانه وتعالى في حاجة إلينا لينتصر على أعدائه أو المشركين به من اليهود والأمريكان والروس، أو غيرهم من أمم الأرض الذين جحدوا وحدانيته واجتاحوا بلاد المسلمين، إنما كان من فضله علينا وجوده وكرمه أن عملنا جنودا عنده سبحانه وتعالى، وإنما نحن كمن يستر القدرة ويأخذ الأجرة، فنحن نستر قدرة الله سبحانه وتعالى في هزيمته للكافرين، ونأخذ الأجر على الثبات في هذا الموقف أمام الكفار
.

والذي يقول بأن الموقف في الماضي مخالف عن الموقف في الحاضر، أو أن حروب الماضي مختلفة بالكلية عن حروب الحاضر وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي نصر الصحابه ونصر من تبعهم بإحسان وإلى يوم الدين، من يرى هذا كأنه يقول وحاشا لله من هذا بأن الله كان قادرا على عاد وثمود وفارس والروم، ولكنه ونعوذ بالله من ذلك ليس بقادر على أمريكا واليهود وروسيا ومن حالفهم أو شايعهم من الأمم الحاضرة المقاتلة لأمة الاسلام.

يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حكاية عن الأمم العاتية السابقة [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] {فصِّلت15} .

ويقول أيضا في وصف حال الكافرين [اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا] {فاطر 43 ،44}.

لكن المهم والذي من المفترض أن يشغل بال المسلم الحريص على دينه هو معرفة دوره هو في هذا القيام وهذه الدعوة، ومعرفة دوره في انتصار مثل انتصار الزلاقة أو غير الزلاقة من مواقع المسلمين الخالدة
.

فإن كان قيام أمة المسلمين بنا فنحن مأجورون على ذلك حتى ولو لم نرى نصرا، وإن كان القيام بغيرنا فقد ضاع منا الأجر، حتى ولو كنا معاصرين لذلك النصر وذاك التمكين، وهذا هو الذي يجب أن يستحوذ على أذهان المسلمين، وأن يعملوا ليكون لهم دور في إعادة بنيان هذه الأمة بعد ذاك السقوط الذي تحدثنا عنه.

الموقف بعد الزلاقة وقفة تحليلية

كانت الزلاقة- كما ذكرنا- في سنة تسع وسبعين وأربعمائة من الهجرة، وبعدها بما يقارب الثلاثة أشهر مات كمدا وحزنا ألفونسو السادس قائد النصارى في هذه المعركة بعد تلك الهزيمة الساحقة التي نالته، والتي راح ضحيتها تقريبا كل الجيش الصليبي، وبترت فيها ساقه.

وقبل موته استخلف ألفونسو السادس ابنه على الحكم، ومع أن الاستخلاف كان سريعا إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يقيموا لهم قوة لمدة عشرين سنة تالية أو أكثر من ذلك؛ حيث لم تحدث مواقع بين المسلمين وبين النصارى إلا بعد سنة خمسمائة من الهجرة، أي بعد حوالي اثنتين وعشرين سنة من الزلاقة.

وعلى الجانب الآخر فقد ظل يوسف بن تاشفين رحمه الله في الحكم حتى وفاته سنة خمسمائة من الهجرة عن مائة عام كاملة، وقد استُخلف على دولة المرابطين من بعده ابنه عليّ بن يوسف بن تاشفين.

حاول المرابطون بعد دخولهم الأندلس تحرير الأراضي الأندلسية التي أُخذت من المسلمين على مدار السنوات السابقة، فحاربوا في أكثر من جبهة، واستطاعوا أن يحرروا سرقسطة في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس ويضمونها إلى بلاد المسلمين، وقد اقتربت حدود دولة المرابطين من فرنسا.

كما حاولوا كثيرا تحرير طليطلة (وكانت كما ذكرنا من قبل أنّها من أكثر وأشد مدن الأندلس حصانة على الإطلاق) لكن الحق أنهم فشلوا في هذا الأمر وإن كانوا قد أخذوا معظم القرى والمدن التي حولها.

المرابطون ومواصلة الانتصارات

بعد موت يوسف بن تاشفين بعام واحد، وفي سنة إحدى وخمسمائة من الهجرة، وبعد ما يقرب من اثنتين وعشرين سنة من الزلاقة، تدور واحدة من أضخم المواقع بين المسلمين وبين النصارى، وهي التي سميت في التاريخ بموقعة أقليش، وقد تولى القيادة فيها على المسلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين، وتولى القيادة على الصليبيين ابن ألفونسو السادس، وانتصر المسلمون أيضا انتصارا ساحقا في هذه الموقعة، وقُتل من النصارى ثلاثة وعشرون ألف نصراني.

استمرت انتصارات المسلمين بعد هذه المعركة تتوالى، ففي عام تسعة وخمسمائة من الهجرة استطاع المسلمون أن يفتحوا جزر البليار، تلك التي كانت قد سقطت من جديد في عهد ملوك الطوائف، وقد أصبح المسلمون يسيطرون على جزء كبير جدا من أراضي الأندلس تحت اسم دولة المرابطين.

وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة تحدث في داخل بلاد المغرب وفي عقر دار المرابطين ثورة تؤدي بأثر سلبي إلى هزيمتين متتاليتين لهم في بلاد الأندلس، كانت الأولى هزيمة قاتندة، والثانية هزيمة القُليّعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:55 pm


المرابطون الهزيمة والانحدار.. وقفة متأنية

على إثر قيام ثورة في المغرب في عقر دار المرابطين، وعلى إثر هزيمتين متتاليتين لهم في الأندلس من قِبل النصارى، يحق لنا أن نتساءل لماذا تقوم الثورة في هذا الوقت في دولة المرابطين؟! ولماذا هذا الانحدار وتلك الهزائم المتتالية؟!

وفي تحليل موضوعي لهذه الأحداث نعود بالتاريخ إلى بداية نشأة دولة المرابطين وقيامها، ففي سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة، وحيث قدوم الشيخ عبد الله بن ياسين، ظلت الأمور بعدها تتدرج ببطء حتى دخل أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله مع الشيخ عبد الله بن ياسين وحدثت انفراجة قليلة للمسلمين كانت غير متوقعة في ذلك الوقت، حدث بعدها انتشار بطيء ثم انتشار سريع، ثم فتح عظيم وتمكين، ثم دنيا وسلطان وعز كبير للمسلمين، حتى عام تسع وخمسمائة من الهجرة كما رأينا سابقا.

ومن خلال واقع دراستنا تلك، ومن خلال واقع تاريخ المسلمين قبل ذلك، ما الذي يمكن أن نتخيله بعد هذا؟!

فمنذ سنة أربعين وأربعمائة من الهجرة ولمدة سبعين سنة، وحتى سنة تسع وخمسمائة من الهجرة حيث الانتصارات المتتالية، وحيث العلو والارتفاع، وحيث الأموال والغنائم والقصور، وحيث الدنيا التي فتحت على المسلمين، والتي وصلوا فيها إلى درجة عالية من العز والسلطان والتمكين، فما هو المتوقع بعد ذلك، وما هي الأحداث الطبيعية التي من الممكن أن تحدث كما سبق ورأينا؟!

لا شك أن الشيء الطبيعي والمتوقع حدوثه هو حصول انكسار من جديد للمسلمين، وحدوث فتنة من هذه الدنيا التي فتحت على المسلمين، وفتنه من هذه الأموال التي كثرت في أيديهم.

وقد يتساءل البعض هل من المعقول بعد انتصارات أبو بكر بن عمر اللمتوني، وانتصارات وأعمال يوسف بن تاشفين، وبعد الزلاقة، هل من المعقول بعد كل هذا أن يحدث انكسار للمسلمين؟!

وفي معرض الرد على هذا فكيف نتعجب حدوث هذا الانكسار الذي حدث بعد وفاة يوسف بن تاشفين، ولا نستغربه وقد حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متجسدا في الردّة الكبيرة التي حدثت بين المسلمين؟! وهو بلا شك أعظم تربية وأقوى أثرا من يوسف بن تاشفين ومن على شاكلته، وخاصة إذا كانت هناك شواهد بينة لهذا الانكسار وتلك الرجعة.

شواهد الانكسار في دولة المرابطين

كدورة طبيعية جدا من دورات التاريخ، ومما لا يعد أمرا غريبا أو غير متوقعا، كانت هناك شواهد بينة لانكسار وتراجع دولة المرابطين عما كانت عليه قبل ذلك، نستطيع أن نجملها فيما يلي

أولا فتنة الدنيا وإن ظل أمر الجهاد قائما

بالرغم من عدم توقف الجهاد، وبالرغم من صولات وجولات علي بن يوسف بن تاشفين التي كانت له مع النصارى وفي أكثر من موقعة، إلا أن المرابطين كانوا قد فتنوا بالدنيا، وهو يعد في بادئ الأمر شيء غريب جدا،

وفي تحليل لمنشأ هذا الشاهد وُجد أن سببه خطأ كبير جدا كان قد ارتكبه المسلمون في دولة المرابطين وهم عنه غافلون، وليت العظة تكون لنا منه، فجعلوا جل اهتمامهم التركيز على جانب واحد من جوانب الإسلام وتركوا أو أهملوا الجوانب الأخرى، فقد انشغل المرابطون في أرض الأندلس وفي بلاد المغرب وما حولها من البلاد، انشغلوا بالجهاد في سبيل الله عن تعليم الناس وتثقيفهم أمور دينهم، ومهمة التعليم بالذات مهمة شاقة جدا خاصة في هذا الزمن؛ فالناس بطبيعتها متفلّتة من التعلم ومن الالتزام بتعاليم الدين، والناس بطبيعتها لا تحب من يأتي لها بقوانين وبرامج تربوية تعتقد أنها في غنى عنها، ومن ثم كان لا بد وأن يتضاعف المجهود الضخم الذي يُبذل من أجل هذه المهمة، حتى تتعلم الأمة أمور دينها، وتعرف ما يجوز وما لا يجوز، وتعرف الواجبات من المحرمات من المستحبات، وقد انشغل المرابطون بالجهاد في سبيل الله عن غيره من المهمات ذات الأولوية المطلقة مثل قضية التعليم تلك، ولم يعد الأمر مثل ما كان عليه عهد عبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين في حرصهم على تعليم الناس وتفقيههم أمور دينهم، وجعلهم كُلّا في رباط وكُلّا في مهمة منوطة به عليه أن يؤديها.

شُغل المرابطون بالجهاد عن إدارة الحكم وعن السياسة داخل البلاد، شغلوا بالأمور الخارجية عن الأمور الداخلية، والإسلام بطبيعته دين متوازن ونظام شامل لا يغلّب جانبا على جانب، وقد رأينا مثال ذلك واضحا في تلك الدولة المتوازنة التي أقامها عبد الرحمن الناصر رحمه الله في نواحي العلم والجهاد والاقتصاد والقانون والعمران والعبادة، وكل شيء، حيث الدولة التي تسد حاجات الروح والجسد، فسادت وتمكنت وظلت حينا من الدهر،

ومثلها أيضا كانت بداية دولة المرابطين وإقامة الجماعة المتوازنة على يد الشيخ عبد الله بن ياسين، تلك التي اهتم في قيامها بكل جوانب الحياة وعوامل ومقومات الدولة المتكاملة، التي تعطي كل جانب من مقوماتها قدرا مناسبا من الجهد والوقت والعمل، فتعلموا أن يكونوا فرسانا مجاهدين ورهبانا عابدين، كما تعلموا أن يكونوا سياسيين بارعين، ومتعاونين على منهج صحيح من الإسلام وأصوله، لكن أن يوجه المسلمون كل طاقاتهم إلى الجهاد في سبيل الله في سنة خمسمائة من الهجرة وما بعدها، ويتركوا أمور السياسة الداخلية وتثقيف الناس وتعليمهم أمور دينهم، فتلك هي قاصمة الظهر ومهبط التل.

ثانيا كثرة الذنوب رغم وجود العلماء

كثرت الذنوب جدا في أرض دولة المرابطين، سواء أكان ذلك في الأندلس أم في أرض المغرب، مع وجود علماء كثيرين في ذلك الوقت، وكثرة الذنوب كان أمرا طبيعيا خاصة بعد أن فُتحت البلاد وكثرت الأموال؛ وذلك لأن معظم الذنوب تحتاج إلى أموال كثيرة جدا لاقترافها، فالخمر والمخدرات والملاهي الليلية، ذنوب تحتاج إلى كثير مال للحصول عليها واقترافها، تلك الأموال التي لو كثرت ما برحت هذه الذنوب تكثر وتصير إلفا بين الأقران، وأصحاب النفوس الضعيفة الذين كانوا يقطنون في دولة المرابطين (في المغرب) كانوا يفكرون في الذنوب لكن لا يقدرون عليها، أما الآن وقد فُتحت الدنيا عليهم وكثرت الأموال في أيديهم، فتحركت هذه النفوس الضعيفة ناحية الذنوب، وبدأت ترتكب من الذنوب والكبائر ألوانا وأشكالا.

ولا شك أنه كان هناك الغني الشاكر، لكن الحق أن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة، والأصل أن الناس جميعا يُفتنون بالدنيا ويقعون في الذنوب إذا كثر المال في أيديهم، يقول سبحانه وتعالى في معرض قصة نوح عليه السلام [فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] {هود27} . والأراذل هم ضعاف الناس وبسطاء القوم وفقراؤهم، وهم الذين اتبعوا نوحا عليه السلام، واتبعوا الرسل من بعده، واتبعوا كل الدعاة إلى يوم القيامة،

ومن هنا فإن كثرة الذنوب أمر طبيعي ومتوقع كنتيجة مباشرة لكثرة الأموال، لكن أين العلماء الكثيرون المنتشرون في بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي في ذلك الوقت؟!

كيف تفتن الناس بالدنيا والجهاد رايته خفاقة، وكيف تكثر الذنوب رغم وجود العلماء الأجلاء؟!

وواقع الأمر أن العلماء هم الذين يقع على عاتقهم العبء الأكبر من هذا التدني وذاك الانحدار، إذ نراهم وقد انشغلوا بفرعيات الأمور وأغفلوا أساسياتها، طرقوا المهم وتركوا الأولى والأهم، أخذوا يؤلفون المؤلفات ويعقدون المناظرات ويقسمون التقسيمات في أمور لا ينبني عليها كثير عمل ولا كثير جدوى، بينما أغفلوا أمورا ما صح لهم أبدا أن يتركوها أو يغفلوها، شغلوا أنفسهم بوضع اليد أثناء الصلاة، هل توضع على الصدر أم على البطن؟ وإذا كانت على الصدر ففي أي مكان منه؟ وكيف يكون وضع السبابة أثناء التشهد؟ هل ترفع من بداية التشهد أم من منتصفه؟ وهل ترفع ساكنة أم متحركة؟ وإذا كانت متحركة فهل حركتها رأسية أم هي دائرية؟ ثم ما هو معدل الحركة أسريع هو أم بطيء؟

وهذا بخلاف المناظرات والمجادلات الحادة والطويلة في أمر الخوارج والشيعة والمرجئة والمعطلة والمشبهة والمجسمة، وغيرها من الأسماء والفرق التي ما كان يراها المسلمون أو يسمعون عنها، أخذوا يُنقّبون في الكتب ويبحثون عن كل غريب من أجل هذه المناظرات وتلك المجادلات التي لا نهاية لها، والتي لم يفتحها عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

النتائج التي تربت على تعمق العلماء في الفروع دون الأصول

كان اتجاه العلماء في ذلك الوقت إلى التعمق في الفروع وإهمال الأصول كمن ترك لجة البحر واتجه إلى القنوات الفرعية، فأنى له الوصول وأنى لعمله الفائدة المرجوة منه؟! فكان وكنتيجة طبيعية لذلك أن نتج عن هذا القلب الخاطئ وذاك التعمق في الفروع تلك الأمور الخطيرة التالية

أولا جدال عظيم بين العلماء والعامة

وذلك أن العلماء لم يفهموا أو لم يستطيعوا أن يتفهموا حاجة العامة، كما لم تعرف العامة ما يتنطع به العلماء، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أعلم البشر وأحكم الخلق يتكلم بالكلمة فيفهمه علماء الصحابة ويفهمه الأعرابي البسيط، كما كان يفهمه الرجل وتفهمه المرأة والكبير والصغير كل على حد سواء.

ثانيا عزلة العلماء عن مجتمعاتهم

باتجاه العلماء إلى دقائق الأمور من الفروع لم يعد يشغلهم بال مجتمعاتهم، ولم يعودوا هم يعرفون شيئا عما يدور فيها وما يحل بها من مصائب وذنوب، فتوسعت الهوة كثيرا بينهم وبين مجتمعاتهم، وحدث بذلك عزلة خطيرة لهم في عهد المرابطين الأخير، فكانت الخمور تباع وتشترى بل وتصنّع في البلاد ولا يتكلم أحد، وكانت الضرائب الباهظة تفرض على الناس غير الزكاة وبغير وجه حق ولا يتكلم من العلماء أحد، وكان ظلم الولاة لأفراد الشعب ولا يتكلم من العلماء أحد، وكانت هناك ملاهي الرقص لا تتستر بل تعلن عن نفسها بسفور ولا يتكلم من العلماء أحد، وإنه لعجب والله أن تحدث مثل هذه الأمور في هذا الزمن (من بعد سنة خمسمائة من الهجرة) وتلك الدولة المرابطية، فقد كانت النساء تخرج سافرات بلا حجاب والعلماء لاهون بالحديث عن المرجئة والمعطلة وغيرها من أمور الجدال والفرقة، ويعتقدون أن مثل هذه الأمور هي التي يجب أن يشغل بها المسلمون، وغيرها هي الأقل قيمة من وجهة نظرهم.

ثالثا أزمة اقتصادية حادة

كان من بين شواهد الانكسار الأخرى في نهاية دولة المرابطين، وبعد فتنة الدنيا والمال، وغياب الشمولية، وكثرة الذنوب، وجمود الفكر عند العلماء وانعزالهم عن المجتمع كان فوق كل هذه الأمور أن حدثت أزمة اقتصاديّة حادة في دولة المرابطين؛ حيث غاب المطر لسنوات وسنوات، فيبست الأرض وجف الزرع وهلكت الدواب، وقد يرى البعض أن هذا من قبيل المصادفة البحتة والعجيبة في نفس الوقت، لكنها والله ليست مصادفة بل هي في كتاب الله عز وجل ومن سننه الثوابت، يقول تعالى في كتابه الكريم [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {الأعراف96}.

وهذا كلام نوح عليه السلام في حديثه لقومه حيث يقول [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا] {نوح10 ،11 ،12 ،13} .

فالله سبحانه وتعالى يبتلي المؤمنين دائما بالقحط وبالأزمات الاقتصادية الحادة عندما يبتعدوا عن طريقه وعن نهجه القويم الذي رسمه لهم، ومن هنا فلو لوحظ تدهور في الحالة الاقتصادية لأحد البلدان أو المجتمعات، وبدأت الأموال تقل في أيدي الناس، وبدءوا يعملون لساعات وساعات ولا يحصل لهم ما يكفي لسد رمقهم أو ما يكفي لعيشهم عيشة كريمة، فاعلم أن هناك خللا في العلاقة بين العباد وربهم سبحانه وتعالى، وأن هناك ابتعاد عن منهجه وطريقه المستقيم؛ إذ لو كانوا يطيعونه لبارك لهم سبحانه وتعالى في أقواتهم وأرزاقهم.

وبالطبع تلا هذه الأحداث التي وقعت في بلاد المرابطين هزائم متعددة من قِبل النصارى، فكانت كما ذكرنا موقعة قاتندة في سنة أربع عشرة وخمسمائة من الهجرة، والتي هُزم فيها المسلمون هزيمة منكرة، ومثلها وبعدها أيضا كانت موقعة القُليّعة في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة من الهجرة، مُني فيها المسلمون أيضا بالهزيمة المنكرة.

محمد بن تومرت وبداية الثورة الإصلاحية

كانت البلاد تتجه بقوة صوب هاوية وكارثة محققة، وكان لا بد وأن يقوم مصلحون من جديد يعدلون المسار نحو الجادة، ونحو طريق الله سبحانه وتعالى وطريق رسوله صلى الله عليه وسلم، فقام رجل من قبائل مصمودة البربريّة يُدعى محمد بن تومرت، والذي قال عنه البعض بأنه عربي، بل وهناك من نسبه إلى القرشيّة، لكن غالب الأمر أنه من قبائل البربر في هذه المنطقة، قام في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة بثورة إصلاحية في دولة المرابطين، كان منهج محمد بن تومرت في التغيير والإصلاح مختلفا بالكلية عن منهج الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله فقد ولد محمد بن تومرت المصمودي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة من الهجرة، ونشأ في بيت متدين في قبيلة مصمودة، وقد ظلّ في هذا البيت إلى سنة خمسمائة من الهجرة، وكان قد بلغ من العمر آنذاك سبع وعشرين سنة، ولأنه كان شغوفا بالعلم، ولأنه كان من عادة العلماء في ذلك الزمن أنهم يتجولون ويسيحون في سائر الأرض يتعلمون من علماء المسلمين في مختلف الأقطار، سافر محمد بن تومرت في سنة خمسمائة من الهجرة إلى قرطبة وتلقى العلم هناك، ثم لم يكتف بذلك بل عاد وسافر إلى بلاد المشرق، فذهب إلى الأسكندرية ثم إلى مكة حيث أدى فريضة الحج، وهناك أخذ يتعلم على أيدي علماء مكّة فترة من الزمان، ثم رحل إلى بغداد وقضى فيها عشر سنوات كاملة يتلقى العلم على أيدي علماء بغداد جميعهم، وقد كانت تموج آنذاك بتيارات مختلفة من علماء السنة وعلماء الشيعة والمعتزلة وغيرهم الكثير ممن أخذ وتلقى على أيديهم العلم.

ذهب محمد بن تومرت بعد ذلك إلى الشام، وفيها تلقى العلم على أيدي أبي حامد الغزالي رحمه الله وعاد بعدها إلى الأسكندرية ثم إلى بلاد المغرب العربي، يقول ابن خلدون يصف محمد بن تومرت بعد عودته تلك في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من الهجرة، حيث كان قد بلغ من العمر تسعا وثلاثين سنة، يقول أصبح محمد بن تومرت بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين. يعني أنه جمع علوما كثيرة وأفكارا جمة من تيارات مختلفة من تيارات المسلمين، وأصبح بالفعل من كبار علماء المسلمين في هذه الآونة.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:57 pm


محمد بن تومرت ونهجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في طريق عودته من بلاد العراق والشام مكث محمد بن تومرت فترة في الأسكندريه يُكمل فيها تعليمه، وهناك بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن خلال سيرته ورغم أنه- كما ذكرنا- كان عالما كبيرا إلا أنه كان يتصف بصفة قلما نجدها عند أمثاله من العلماء، وهي مما يثير الدهشة وتدعو إلى التعجب، ذلك أنه كان شديدا جدا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، شدة تصل إلى حد التنفير، فكان ينفر عنه كثير من الناس حينما يأمرهم بالمعروف أو يناهم عن المنكر، وصلت حدته وفظاظته في دعوته تلك إلى الدرجة التي جعلت أهل الأسكندرية يطردونه منها ويلقون به في سفينة متجهة إلى بلاد المغرب العربي، وعلى السفينة أيضا ظل محمد بن تومرت على حدته في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى منع الخمور على ظهر السفينة وأمر بقراءة القرآن.

وبالطبع فقد كان الناس على السفينة بعيدين تمام البعد عن المنهج الإسلامي، فاشتد عليهم واختلف معهم كثيرا، الأمر الذي دفعهم إلى إلقائه في عرض البحر وتركوه وساروا إلى بلاد المغرب، وبعد فترة من السباحة جانب السفينة أشفقوا عليه ورقوا لحاله، ومن ثم فقد أخذوه معهم مرة ثانية شريطة أن يظل صامتا إلى أن يصل إلى بلاد المغرب العربي، وفي تونس تنتهي رحلته فينزل إلى بلد تسمى المهدية، وهناك وكالعاده بدأ من جديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبنفس الطريقة التي كان قد سلكها قبل ذلك، وكردٍّ طبيعي من قِبل الناس نفروا منه وبعدوا عن طريقته، فقد كان محمد بن تومرت يريد تغيير المنكر كله تغييرا جذريا ودفعة واحدة وسريعا.

والحق أن هذا أمر مخالف لسنن الله تعالى؛ فحين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في مكة ما أُمر وما سعى إلى هذا التغيير المفاجئ الجذري، بل إن الأمور كانت تتنزل عليه صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه وتعالى بصورة متدرجة، فقد نزل أمر اجتناب الربا على درجات متسلسلة ومراعية التدرج مع الناس، وكذلك كان الأمر في تحريم الخمور وتجريمها، والناس قبل لم تكن تعرف لكليهما حرمة، حتى في أمر الجهاد والقتال في سبيل الله؛ فلم يتنزل هذا التكليف دفعة واحدة.

تلك الأمور التي فقهها جيدا عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين تولى الخلافة، فقد كان هناك كثير من المنكرات في دمشق وما حولها من البلاد، وكان ابن عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديدا في الحق، فأراد أن يغير كل هذه المنكرات مستقويا بسلطان أبيه، إلا أنه وجد أن أباه عمر بن عبد العزيز يسير فيها بطريقة متدرجة فشق ذلك عليه، فذهب إليه وقال له يا أبي، أنت تملك الأمور الآن، ولك هيمنة على بلاد المسلمين، فيجب أن تغير هذا المنكر كله وتقيم الإسلام كما ينبغي أن يُقام، فقال له عمر بن عبد العزيز رحمه الله يا بني، لو حملت الناس على الحق جملةً واحدة تركوه جملةً واحدة.

لكن محمد بن تومرت لم يكن ينحو مثل هذا النهج ومثل تلك الخطى، إنما يريد أن يغير كل شيء تغييرا جذريا، بل وبأسلوب فظ شديد، وقد قال جل شأنه يخاطب نبيه الكريم [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] {آل عمران159} . خطاب لشخصه صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي وأحكم الخلق وأعلم البشر جميعا، إن دعوت إلى الله سبحانه وتعالى بفظاظة وغلظة انفضّ الناس عنك، فما البال وما الخطب بعموم الناس من دونه؟!

محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن عليّ ولقاء الأفكار الثورية

عندما كان في تونس وفي المهديّة قابل محمد بن تومرت رجلا كان يبغي ما كان يبغيه هو في أول رحلته في طلب العلم إلى الأقطار الإسلامية المختلفة، ذلك الرجل كان يُدعى عبد المؤمن بن عليّ، وفي أول لقاء له به سأله عن سبب تركه لبلاد المغرب العربي وسياحته في البلاد، فأجابه بأنه يبحث عن العلم والدين، فرد عليه محمد بن تومرت بأن بضاعتك وما تبغيه لديّ وعندي، فالتقيا كثيرا، وقد أخذ محمد بن تومرت يعلمه من علمه ما أعجب عبد المؤمن بن علي كثيرا، وتآخيا في الله، وظلا سويا في طريقهما لم يفترقا حتى مات محمد بن تومرت على نحو ما سيأتي بيانه.

تعلم العلم عبد المؤمن بن علي من محمد بن تومرت مع الطريقة الفظة في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدآ يدعوان إلى الله سبحانه وتعالى في بلاد المغرب العربي، وقد انضم إليهما خمسة آخرون وأصبحوا بذلك سبعة أفراد بمحمد بن تومرت نفسه، وعلى هذا الحال وجد محمد بن تومرت ومن معه أن المنكرات قد كثرت بصورة لافتة في بلاد المرابطين، ووجد أن الخمور قد تفشت حتى في مراكش، تلك العاصمة التي أسسها يوسف بن تاشفين رحمه الله من قبل وكانت ثغرا من ثغور الإسلام، كما رأى الولاة وقد بدأوا يظلمون الناس ويفرضون عليهم الضرائب، ويأكلون أموال اليتامى، ووجد أيضا ذاك السفور والاختلاط وقد انتشر وصار شيئا مألوفا بين الناس، حتى إنه شاهد بنفسه امرأة سافرة وقد خرجت في فوج كبير وعليه حراسة مما يماثل أفواج الملوك، وحينما سأل عن صاحبة هذا الفوج وتلك المرأة السافرة علم أنها ابنة عليّ بن يوسف بن تاشفين، ابنة أمير المسلمين.

محمد بن تومرت وفكرته في التغيير

لا بد من تغيير لهذا الوضع المخزي، كانت هذه هي الفكرة التي اختمرت واستحوذت على رأس محمد بن تومرت، فجلس مع أصحابه وعددهم ستة نفر، ثم عرض عليهم فكرته في التغيير، فكان رأيه أن المعاصي والمنكرات قد استشرت في بلاد المرابطين، وأن السيل قد بلغ الزبى، وأن الحل في هذا الأمر هو أن نبدأ بالرأس ونُقصي الحكام عن الحكم، فنبدأ بعليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الحكام والولاة وقادة الجيش، فنخرج عليهم فنقصيهم عن الحكم، ومن ثم فيكون الأمر في أيدينا فنستطيع أن نغير في البلاد وفق ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يريد محمد بن تومرت أن يختصر طريق التربية ويختصر الطريق الطويل الذي بدأه عبد الله بن ياسين من قبل، والذي سار فيه سنوات وسنوات حتى تمكن من الأمور، يريد إقصاء علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه ثم بعد أن يتملك الأمور يبدأ في تعليم الناس من فوق كرسي الحكم وبسلطان القانون.

وإذا أكملنا السير مع محمد بن تومرت فإن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان يقيم شرع الله سبحانه وتعالى وكان يجاهد في سبيل الله، إلا أنه كانت تشوبه بعض التجاوزات والمخالفات مثل التي ذكرناها وهذه المخالفات لم تكن تعطي الحق لمحمد بن تومرت ومن معه أيا كانت نواياهم فيما يبدو لنا، وأيا كان تقشفهم وزهدهم وعلمهم الغزير أن يخرجوا عليه، بل كان عليهم أن يُقيموا الأمر من جديد، وأن يعاونوه على العوده إلى طريق الإسلام الصحيح، وكان عليهم تعليم الناس وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.

ولننظر إلى تغيير رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة، وحين خالفه المشركون في مكة، فقد كان من الممكن أن يفعل الأمر نفسه الذي فكّر فيه محمد بن تومرت، كان من الممكن أن يوصي عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله أن يقوم كل منهم فيقتل رجلا من صنانيد قريش، ثم يتولى هو الحكم في مكة ومن ثم يقيم شرع الله سبحانه وتعالى.

ولأنها ليست سنة الله في التغيير لم يتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أخذ يربي الناس بالتدريج سنة بعد سنة بعد سنة، حتى قضى ثلاث عشرة سنة في مكة على هذا الحال، ثم هاجر إلى المدينة المنورة وتابع مسيرته في تربية الناس بالتدريج، حتى كانت موقعة بدر مع الكافرين وتلتها المواقع الكثيرة التي أصقلت معادن المؤمنين، حتى تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السيطرة على الأمور كلها في جزيرة العرب، واستطاع أن يُنشئ جيلا من الرجال على طراز فريد من نوعه، استطاعوا من بعده أن يحملوا الرسالة إلى أهل الأرض قاطبة.

بين علي بن يوسف بن تاشفين ومحمد بن تومرت
كان ما سبق هو المنهج الذي سلكه محمد بن تومرت قاصدا به الإصلاح والتغيير، وهو بلا أدنى شك مخالف تماما للنهج القويم ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل ذاته على نحو ما رأينا.

سمع عليّ بن يوسف بن تاشفين بمحمد بن تومرت وعلم أنه يدعو الناس إلى الخروج عليه، وبمنطق سليم فكر في عقد مناظرة بينه (محمد بن تومرت) وبين علماء دولة المرابطين، يكون مقرها قصر الخليفة نفسه.

قدم محمد بن تومرت على رأس أتباعه الستة، وأتى علماء المرابطين وكان على رأسهم كبير العلماء وقاضي القضاة مالك بن وهيب، وبدأ الفريقان في المناظرة.

ونظرة أولية إلى فكرة عقد مثل هذه المناظرة ليوحي بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان رجلا ما زال يحمل من الخير الكثير، وإلاّ وعلى أقل تقدير كان من الممكن أن يفتعل مثل هذه المناظرة ويقوم بعدها بسجن محمد بن تومرت أو قتله أو فعل أي شيء آخر من هذا القبيل، خاصة وهو ذلك الثائر على الحاكم، والذي يريد قلب وتغيير نظام الحكم، الأمر الذي سيزداد تأكيدا في نهايه هذه المناظرة في صالح الأمير على نحو ما سيأتي.

وفي هذه المناظرة تفوّق محمد بن تومرت على علماء دولة المرابطين تفوقا ملحوظا، فقد كان كما ذكرنا من كبار العلماء المتشبعين بالعلم، وكان كما وصفه ابن خلدون بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين، وهو الذي أمضى عشر سنين في بغداد يتعلم علم المجادلة وفنون المحاورة على يد العقليين من المعتزلة وغيرهم، استطاع محمد بن تومرت أن يحاجّ علماء دولة المرابطين جميعا في كل القضايا التي أثيرت بينه وبينهم، حتى بكى عليّ بن يوسف بن تاشفين في مجلسه لما رأى من كثرة المعاصي في دولته وهو لا يدري عنها شيئا، أو هو يدري عنها لكنه لم يغيرها، بكى من الخشية لما سمع حجج وأقاويل محمد بن تومرت، لكن ذلك لم يشفع له عنده وظلت الحدة واضحة جلية في كلامه وحديثه مع الأمير، كان علماء الدولة ووزراؤها يعلمون أنه يحرّض الناس على الخروج على الحاكم، فأسر مالك بن وهيب قاضي القضاة في أذن عليّ بن يوسف بن تاشفين بأن عليه أن يعتقل هذا الرجل وينفق عليه دينارا كل يوم في السجن وإلا ستمر عليك الأيام فتنفق عليه كل خزائنك دون أن تقدر عليه، لكن الوزير أشار على علي بن يوسف بن تاشفين بعدم فعل ذلك حتى لا يكون متناقضا مع نفسه، خاصة وأنه جلس في مجلسه وبكى من خشية الله سبحانه وتعالى حين سمع كلماته، فلا يُعقل أن تأتي بعد ذلك وتعتقله، فتحدث بذلك بلبلة عند عموم الناس، كما أنه بمن معه سبعة نفر فقط أما أنت فحاكم دولة ضخمة وهي دولة المرابطين، فكيف تخشى من هذا الرجل؟!

وازن عليّ بن يوسف بن تاشفين بين رأي مالك بن وهيب قاضي القضاة وبين رأي الوزير، واستقر أخيرا على إطلاق سراح محمد بن تومرت تأثما أن يحبسه دون وجه حق، فالرجل كان ما زال به خير، وكان من الممكن أن يصلح أمره إذا حاول معه محمد بن تومرت ومن معه بالتي هي أحسن، لكنه لم يفعل.

محمد بن تومرت وجماعة الموحدين

ما إن خرج محمد بن تومرت من مجلس الأمير علي بن يوسف بن تاشفين من مراكش حتى نزل على صديق له في بلد مجاور، وذهبوا بعدها إلى قرية في عمق الجبل اسمها تاين ملل وهي التي ستكون عاصمة للدولة التي سوف يؤسسها محمد بن تومرت بعد ذلك.

كان محمد بن تومرت في الحق زاهدا جدا، وكان لا يحمل في يده إلا العصا ولا يأكل إلا القليل من الطعام، وكان كما ذكرنا صاحب علم غزير، فبدأ الناس في هذه القرية الصغيرة يلتفون حوله ويسمعون لكلامه، وبدأ هو يؤثر فيهم نتيجة طبيعية لما كانوا عليه من المعاصي والمنكرات تلك التي انتشرت في بلاد المرابطين، ثم بدأ يكوّن حوله جماعة بدأت صغيرة وقد سماها جماعة الموحدين، وهي تسمية خطيرة جدا لما سنعلمه بعد قليل.

قويت شوكة محمد بن تومرت، وبمجرد أن قويت شوكته ظهرت عليه انحرافات عقائدية خطيرة، فقد كان لاستقائه العلم من تيارات مختلفة تمثل سنة وشيعة ومعتزلة، وغيرهم في بلاد الشام وبغداد ومكة ومصر وغيرها من البلاد كان من جراء ذلك أن ظهر عليه خليط من العقائد المختلفة، والتي تمثلت فيما يلي
أولا ادّعى العصمة

وكان ادعاء العصمة في الإمامة خاص بطوائف الشيعة، فتأثر بهم وتمثل بهذا الادعاء وهو عصمته من الخطأ.

ثانيا ادعى أن المرابطين من المجسمة

كان المرابطون يثبتون لله تعالى صفاته كما هي، لكن محمد بن تومرت أخذ فكر المعتزلة في نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى وهي قضية جدليّة طويلة لا نخوض في تفصيلاتها، وخلاصة الأمر في ذلك أنه لما أثبت أن المرابطين يُثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى ادّعى أنهم من المجسمة، و تبعا لهذا الادعاء فقد راح يُكفر المرابطين، وادّعى بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الولاة والعلماء، ومن يعمل تحت حكمهم ومن يرضى بحكمهم، هو من الكافرين.

وهذا منحى خطير جدا؛ إذ إنه كفر حكام البلد التي كان يعيش فيها، وهي بلاد الأندلس والمغرب العربي في ذلك الوقت.

ثالثا استحل دماء المرابطين

وتبعا لهذا التكفير السابق استحل محمد بن تومرت دماء المرابطين، ومن ثم فقد أمر بالخروج عليهم وقتلهم، وأنه ليس هناك إثم في ذلك، بل إن قتلهم فيه إحراز لثواب عظيم، وقد كان متساهلا جدا في الدماء، وهي خاصية من خصائص الخوارج الذين تعلم على أيدي بعضهم كما ذكرنا أثناء رحلته لطلب العلم.

وقفة مع محمد بن تومرت وجماعته الموحدة

في جماعته الجديدة كان محمد بن تومرت يقتل العشرات من المخالفين له حتى من فرقته وجماعته (الموحدين)، فالذي يخالفه في الرأي ليس له من دواء إلا القتل، وهو أمر في غاية الغرابة نظرا لما عنده من العلم الغزير، وأغرب منه كان ادعاؤه بعض الخوارق، وأنه هو المهدي المنتظر،

ولا شك في أن يعتقد في صدقه وما يذهب إليه من أقواله تلك كثير من الناس، وذلك كما ذكرنا لانشغال علماء الدولة بالأمور الفرعية عن تعليم هؤلاء الناس أصول العقائد وأصول العبادات، وقد أقاموا (العلماء) جدارا عازلا بينهم وبين العامة الذين لا يعرفون أين الحق وأين الصواب، والذين لا يستطيعون أن يميزوه (الحق) كثيرا عن الباطل،

ومن هنا فحين رأى مثل هؤلاء الناس رجلا مثل محمد بن تومرت في شخص العالم الكبير، وهو يروي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فلان وفلان، ثم هو يحفظ كتاب الله ويعلم سير الصالحين والسابقين، ويعلم فقه كذا وكذا وكذا، حين رأوا ذلك ما كان منهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا لما يقوله وما يمليه عليهم محمد بن تومرت عالمهم ومعلمهم، وقد اعتقدوا جميعا بعصمته واعتقدوا جميعا بحل قتل المرابطين، بل والثواب الجزيل على قتلهم.

ولنا أن نتخيل مثل هذا الأمر في حق المرابطين الذين فتحوا البلاد وأقاموا صرح الاسلام في بلاد المغرب والأندلس لسنوات وسنوات، الآن وبعد ظهور بعض المنكرات في بلادهم، وبعد انشغالهم بالجهاد عن التعليم أصبحوا يُكفّرون ويحل دمهم ويقاتلون من قبل جماعة الموّحدين، ذلك الاسم (الموحدين) الذي فيه إشارة قوية إلى أن غيرهم كفار وليسوا بموحدين أو مسلمين.

المرابطون والموحدون وقتال الأعداء

من هذا المنطلق السابق حمل محمد بن تومرت على عاتقه وجماعته الموحدون أمر مقاتلة المرابطين وسفك دمهم، وقد التقوا مع المرابطين في مواقع عديدة، كان منها تسع مواقع ضخمة جدا انتهت سبع منها بانتصارهم على المرابطين، وهُزموا في اثنتين.

ومن مواقعهم مع المرابطين كان هناك على سبيل المثال واحدة في سنة ثمان عشرة وخمسمائة من الهجرة، قتل فيها من المرابطين خمسة عشر ألف مسلم على أيدي الموحدين، خمسة عشر ألف مسلم ممن كانوا شوكة في عنق النصارى لسنوات وسنوات يقتلهم الموحدون حتى يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقيموا دولة على نهج الله ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثلها أيضا كانت موقعة البحيرة أو موقعة البستان، في سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، والتي انتصر فيها المرابطون على الموحدين، وقتل فيها من الموحدين أربعون ألفا.

وبنظرة إجمالية فإن عدد من قتل من المسلمين في المواقع التي دارت بين المرابطين والموحدين وفي نحو ثمان وعشرين سنة، وذلك منذ سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وحتى قيام دولة الموحدين في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة عدد من قُتل منهم في تلك الفترة يربو على الثمانين ألف مسلم.

قامت دولة الموحدين كما قامت دولة المرابطين من قبل، قامت لكن على أشلاء ثمانين ألف مسلم، وكان هذا هو الطريق الذي سلكه محمد بن تومرت ومن معه، وكان هذا نهجهم في التغيير والإصلاح.

وكنا قد رأينا سابقا كيف كان الطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه، وقد وصل الاثنان إلى قيام دولة وتأسيس حكم، لكن شتان بين أحداث ونتائج قيام كل منهما، وشتان بين كلا المنهجين في القيام، وإنا لنعجب كيف يسير محمد بن تومرت في مثل هذا الطريق وقد رسم له السابقون قبلا الطريق الصحيح الذي ليس فيه دماء تراق، وليس فيه قتل وذبح لأمة كبيرة من المجاهدين مثل أمة المرابطين.

عبد المؤمن بن علي وأفول نجم المرابطين وبزوغ نجم الموحدين

في سنة أربعة وعشرين وخمسمائة من الهجرة وبعد موقعة البحيرة يموت محمد بن تومرت، وإلى آخر لحظة من حياته يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأمرهم باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع نهج الخلفاء الراشدين، وعدم النقوص أبدا عن الجهاد في سبيل الله، لكن على فهمه وعلى طريقته.

وقبل موته أمر الناس أن يسمعوا ويطيعوا لعبد المؤمن بن عليّ من بعده (الرجل الذي قابله لأول مرة في مدينة المهدية في بداية طريقه لدعوته سنة اثنتي عشرة وخمسمائة)، أمرهم أن يسمعوا ويطيعوا له ما أطاع الله فيهم، فإن بدل فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هكذا كان يأمر أتباعه قبل موته محمد بن تومرت.

ومن بعده تولى عبد المؤمن بن عليّ مقاليد الأمور في جماعة الموحدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، واستمر يقود الجماعة على النهج السالف إلى أن سقطت دولة المرابطين السنيّة المجاهدة بالكلية في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة على إثر مجزرة شديدة داخل مراكش، قتل فيها معظم المرابطين الذين كانوا بالمدينة المذكورة، وتملّك الموحدون الحكم في البلاد

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
محمد عزت هلال
المدير العام


المساهمات : 273
تاريخ التسجيل : 05/06/2008
العمر : 30

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط   السبت يونيو 21, 2008 4:58 pm


دولة الموحدين
مقدمة
في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة بزغ نجم دولة الموحدين، وكان أول حكامها عبد المؤمن بن عليّ صاحب محمد بن تومرت المؤسس الحقيقي والفعلي لجماعة الموحدين.

أخذ عبد المؤمن بن عليّ من محمد بن تومرت وكذلك أخذ عنه كل أتباعه أسلوب الحدة والغلظة في المعاملة، وتعلم منه التقشف والزهد في الدنيا، وحب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه كان شخصية قوية مهابة، وكان صاحب جهاد كبير وصولات وجولات، وقد استطاع أن يُقيم دولة قوية تربعت على بلاد المغرب وبلاد الأندلس وهي دولة الموحدين.

مؤسسو الموحدين.. ورهبانية ابتدعوها

في وصف لشخص عبد المؤمن بن عليّ ذكر الذهبي في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكا عادلا، سائسا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثل، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير - وهذا يعني أن لبس الحرير كان عادة وإلفا في زمانه - وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خُلق له. ثم بعد هذه الأوصاف نجد هذه العبارة التي تحمل كثيرا من علامات الاستفهام، وهي وكان سفّاكا لدماء من خالفه.

ومثل هذه الأوصاف ذكرها ابن كثير أيضا في البداية والنهاية، وأضاف أنه كان يعيبه كثرة سفك الدماء لمن عارضه من أتباعه أو من غير أتباعه.

وهذه بالطبع- وكما ذكرنا- هي تعاليم محمد بن تومرت.

وإضافة إلى هذا المنهج العقيم وتلك الصفة السابقة فقد كان محمد بن تومرت حين يعلم أن أتباعه ينظرون إلى الغنائم التي حصّلوها من دولة المرابطين في حربهم معهم كان يأخذها كلها فيحرقها.. وكان يعذّر بالضرب من يفوته قيام الليل من جماعته. فنشأت جماعة من الطائعين الزاهدين العابدين، لكن على غير نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يحرق الغنائم أو يضرب المتباطئين أو المتثاقلين عن قيام الليل، أو يتبع مثل هذا المنهج وتلك الرهبنة المتشددة، فكره كثير من الناس مثل هذا الأسلوب، لكنهم اتبعوه بحكم أنه الغالب والمتفرد الذي ليس هناك غيره.

وعلى ما يبدو فقد كانت فكرتا العصمة والمهدية التي ادعاهما محمد بن تومرت واقتنع بها أتباعه من بعده لم يكن مقتنعا بهما عبد المؤمن بن عليّ؛ لأنه أبدا ما دعى أيا منهما، ولا أيٍا من فكر الخوارج الذي كان قد اعتقد به أو ببعضه محمد بن تومرت.

وعلى الجانب الآخر فإن عبد المؤمن بن عليّ لم ينف مثل هذه الأفكار الضالة صراحة؛ وذلك لأن غالب شيوخ الموحدين كانوا على هذا الفكر وذلك الاعتقاد، فخاف إن هو أعلن أن أفكار محمد بن تومرت هذه مخالفة للشرع أن ينفرط العقد ويحدث التفكك في هذه الفترة الحرجة من دولة الموحدين.

تداعيات سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين

متابعة للأحداث بصورة متسلسلة فقد كان لسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين في عام واحد وأربعين وخمسمائة من الهجرة، ومقتل ما يربو على الثمانين ألف مسلم في بلاد الأندلس نتيجة الحروب بينهما - كان لهذه الأحداث العظام تداعيات خطيرة على كل بلاد المغرب العربي والأندلس، وما يهمنا هنا هو ما حدث في الأندلس، فكان ما يلي

أولا بعد قيام دولة الموحدين بعام واحد وفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت ألمرية في أيدي النصارى، وهي تقع على ساحل البحر المتوسط في جنوب الأندلس، أي أنها بعيدة جدا عن ممالك النصارى، لكنها سقطت عن طريق البحر بمساعدة فرنسا.. وفي ألمرية استشهد آلاف من المسلمين وسبيت أربعة عشر ألف فتاة مسلمة.

ثانيا بعد ذلك أيضا بعام واحد وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت طرطوشة ثم لاردة في أيدي النصارى أيضا، وهما في مملكة سراقسطة التي تقع في الشمال الشرقي، والتي كان قد حررها المرابطون قبل ذلك.

ثالثا وفي نفس العام أيضا توسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وكانت من أشد الممالك ضراوة وحربا على المسلمين.

رابعا بدأ النصارى يتخطون حدود الأندلس ويهاجمون بلاد المغرب العربي، فاحتلت تونس في ذات السنة أيضا من قِبل النصارى، وهي خارج بلاد الأندلس.

ولقد كانت مثل هذه التداعيات شيئا متوقعا نتيجة الفتنة الكبيرة والحروب التي دارت بين المسلمين في بلاد المغرب العربي.

عبد المؤمن بن عليّ وأعمال عظام في المغرب

كان عبد المؤمن بن علي - كما ذكرنا - صاحب شخصية قوية جدا وفكر سياسي عالٍ، فبدأ وبطريقة عملية منظمة وشديدة في تأسيس وبناء دولته الفتية الناشئة، فعمل على ما يلي

أولا أطلق حرية العلوم والمعارف وأنشأ الكثير من المدارس والمساجد، وكان هذا على خلاف نهج محمد بن تومرت صاحب الفكر الأوحد، فأصبح الناس يتعلمون أكثر من طريقة ومنهج وأكثر من فكر وفقه، وأصبحوا لا يرتبطون بقطب واحد كما كان العهد أيام محمد بن تومرت، لكن هذا لم يكن ليغضّ الطرف عن كون عبد المؤمن بن عليّ ذو فرديّة في نظام الحكم والإدارة، أي أنه كان - بلغة العصر - حاكما ديكتاتورا، فردي الرأي لا يأخذ بالشورى.

ثانيا عمل عبد المؤمن بن عليّ على إقران الخدمة العسكريّة بالعلوم التثقيفية، وأنشأ مدارس كثيرة لتعليم وتخريج رجال السياسة والحكم، وكان يمتحن الطلاب بنفسه، فأنشأ جيلا فريدا من قوّاد الحروب والسياسيين البارعين في دولة الموحدين، وكان يدربهم على كل فنون الحرب، حتى إنه أنشأ بحيرة صناعية كبيرة في بلاد المغرب لتعليم الناس كيف يتقاتلون في الماء، وكيف تكون الحروب البحرية، وكان أيضا يختبر المقاتلين الموحدين بنفسه.

ثالثا أقام مصانع ومخازن ضخمة وكثيرة للأسلحة، و أصبحت دولة الموحدين من أقوى الدول الموجودة في المنطقة من الناحية العسكرية.

هذا كله في بلاد المغرب العربي، ولم تكن بلاد الأندلس بعد قد دخلت في حسابات عبد المؤمن بن عليّ في ذلك الوقت؛ لأنه كان يحاول أن يستتب له الأمر أولا في بلاد المغرب العربي حيث أنصار المرابطين في كل مكان. وكان الوضع في بلاد الأندلس - كما ذكرنا - حيث سقوط أكثر من مدينة في أيدي النصارى، وأصبح التدهور هناك سريعا.

عبد المؤمن بن عليّ في الأندلس

في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وبعد التدهور الكبير الذي حدث في بلاد الأندلس، قدم إلى بلاد المغرب العربي القاضي ابن العربي صاحب (العواصم من القواصم) قدم من الأندلس وبايع عبد المؤمن بن علي، وطلب النجدة لأهل الأندلس.

وإن مبايعة القاضي ابن العربي لعبد المؤمن بن عليّ لتعطي إشارة واضحة إلى أن عبد المؤمن بن عليّ لم يكن ليعتقد أو يدعو إلى أفكار ضالة كما في الدعوة إلى العصمة أو المهدية أو غيرها مما كان يدين بها محمد بن تومرت وبعض من أتباعه، وإلا لم يكن للقاضي ابن العربي - وهو الذي اشتهر وعرف عنه الذبّ عن الإسلام من الضلالات والانحرافات - أن يقدم من بلاد الأندلس لمبايعته على الطاعة والنصرة.

قبِل عبد المؤمن بن عليّ الدعوة من القاضي ابن العربي، وجهزّ جيوشه وانطلق إلى بلاد الأندلس، وهناك بدأ يحارب القوات الصليبية حتى ضم معظم بلاد الأندلس الإسلامية التي كانت في أملاك المرابطين إلى دولة الموحدين، وكان ممن قاتله هناك بعض أنصار دولة المرابطين إلا أنه قاتلهم وانتصر عليهم وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة من الهجرة.

وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من الهجرة استطاع أن يستعيد ألمريّة، وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة من الهجرة استعاد تونس من يد النصارى، وبعدها بقليل - ولأول مرة - استطاع أن يضم ليبيا إلى دولة الموحدين، وهي بعد لم تكن ضمن حدود دولة المرابطين.

وهو بهذا يكون قد وصل بحدود دولة الموحدين إلى ما كانت عليه أثناء دولة المرابطين إضافة إلى ليبيا، وقد اقتربت حدود دولته من مصر كثيرا، وكان يفكر في أن يوحّد كل أطراف الدولة الاسلامية تحت راية واحدة تكون لدولة الموحدين.

يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ وحكم الموحدين

في عام ثمانية وخمسين وخمسمائة من الهجرة يتوفي عبد المؤمن بن عليّ، ثم يخلفه على الحكم ابنه يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وكان يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما، وقد كان مجاهدا شهما كريما إلا أنه لم يكن في كفاءة أبيه القتالية.

ظل يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ يحكم دولة الموحدين الفتية اثنين وعشرين عاما متصلة، منذ سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وحتى سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة، وقد نظم الأمور وأحكمها في كل بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي، وكانت له أعمال جهادية ضخمة ضد النصارى، لكنه كان يعيبه شيء خطير وهو أنه كان متفرد الرأي لا يأخذ بالشورى، وهذا - بالطبع - كان من تعليم وتربية أبيه عبد المؤمن بن علي صاحب محمد بن تومرت كما ذكرنا.

كان لانفراد يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بالرأي سببا قويا في حدوث أخطاء كثيرة في دولته، كان آخرها ما حدث في موقعة له مع النصارى حول قلعة من قلاع البرتغال كان يقاتل فيها بنفسه، فقد قتل فيها ستة من النصارى، ثم طُعن بعد ذلك واستشهد رحمه الله في هذه الموقعة في سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akomam.yoo7.com
 
سلسلة الأندَلس من الفتح إلى السّقوط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أخبار الأمم :: منتدي التاريخ الإسلامي :: بلاد المغرب والأندلس-
انتقل الى: